الحداثة الأدبية في ميزان النقد الاسلامي*
Oct 8, 2021 03:54 PM Oct 8, 2021 03:54 PM
إن أول ما يلفت النظر في نقدنا للحداثة وما بعدها هو عدم وجود تعريف ثابت لهما إذ إن التعاريف التي أعطيت للحداثة لدى المفكرين والفلاسفة الغربيين ، كانت تعاريف متعددة تدل على عدم وجود اتفاق أو انسجام حول مفهوم الحداثة في الغرب نفسه ، لذلك فقد أجمع كل الباحثين في حقل النقد الحداثي على استحالة وجود تعريف ثابت للحداثة مما يوحي بأن الحداثة وان قسمت إلى حداثتين فأنها في الأخير تظل حداثة واحدة ، وما مصطلح (ما بعد الحداثة) سوى نقد ومراجعة للحداثة ومحاولة لتجذيرها وتأكيد حضورها الأبدي حتى تحافظ على تفلتها من كل تحديد ، فهي مشروع لم يكتمل بعد . وكلمة الحداثة في اصلها الاوربي مشتقة من لفظة :modern ، وقد اخذت في اوربا رواجاً تفاوت في الشدة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتفاوت بين بلد وبلد في اوربا . ثم دخلت إلى العالم الإسلامي وتسللت إلى الفكر والادب والحياة 0وما يهمنا متابعته في نقد الحداثة هو مفهومها المعبر عنه بمصطلح modernism باعتبارها مذهباً أدبياً , بل نظرية فكرية لاتستهدف الحركة الابداعية وحدها بل تدعو إلى التمرد على الواقع بكل جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية 0 فالحداثة لفظة تدل اليوم على مذهب فكري جديد يحمل جذوره وأصوله من الغرب بعيداً عن حياة المسلمين وحقيقة دينهم ونهج حياتهم , اذ كانت امتداداً طبيعياً للتيه الذي دخلته أوربا منذ العصور الوثنية عند اليونان والرومان وإلى عصر الظلمات ثم العصور اللاحقة بكل امواج المذاهب والفلسفات المتناقضة المتصارعة , فلم يعد في حياة الغربيّ إلاّ أن تنفجر هذه المذاهب انفجاراً رهيباً يحطّم كل قيمة , لتعلن يأس الانسان الغربيّ وفشله في أن يجد أمناً أو أماناً بعد أن جرّب كل ما أوحت به الشياطين , جرّب العلم والمال والطبيعة وغير ذلك , فما افادته بشيء فكفر بكل شيء وعبّر عن كفره ذلك بالحداثة. ويتفق معظم الباحثين على أن تاريخ الحداثة الحقيقية يبدأ من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي مع الاتجاهات التي نبذت الادب الرومانسي وأزرت عليه إغرابه ودورانه في حلقة مفرغة من استعذاب الألم , وهي الاتجاهات التي قدست الفن ذاته ودارت في محرابه وتمثلت بالبرناسية والواقعية الطبيعية ثم مذهب الفن للفن الذي ولدت في احضانه الرمزية . واذا أردنا متابعة أصول الحداثة في الغرب فلابد من معرفة أن جميع المذاهب الفكرية والفلسفية والاجتماعية والادبية التي ارتبطت بجذورها الوثنية اليونانية وما أضافته لنفسها من العتمة على مر العصوروالاجيال , قد أدّت إلى العتمة الحداثية وخصائصها من القلق والحيرة والشك , هذه السمات التي حملتها جميع مذاهب الحداثة :الرمزية , الانطباعية, المستقبلية , التعبيرية, الدادائية , السيريالية , الادب – المهنة , التصويرية , الذاتية , السميولوجية , البنيوية , وما بعد البنيوية , والتشريحية .فجميع هذه الحركات حملت معها العتمة والتناقض والقلق والاضطراب . وتتأكّد هذه السمات بالرجوع الى جذور هذه المذاهب والحركات الحداثية في اوربا والعوامل الحقيقية التي ادت إلى ظهورها هناك . وكذلك بالرجوع الى جذور الحداثة الوافدة الى عالمنا الإسلامي عن طريق البعثات التي عادت من اوربا أو الذين انطلقوا من انفسهم يطلبون العلم هناك أو يهاجرون إلى طلب الرزق في اوربا أو امريكا , أو الرجال الزاحفين علينا من بلاد الغرب زحفاً عسكرياً أو زحفاً نصرانياً أو عن طريق مؤسسات الفساد وأنديته كالماسونية والروتاري وغيرهما . اذ عملت هذه القوى على نقل الفكر الحداثي للعالم الإسلامي 0فانتشر هذا الفكرفي مجتمعاتنا تحت ستار الادب والقومية والعلم والتطور وغير ذلك ، وأصبحت الحداثة الادبية جزءاً من فتنة كبرى دخلت العالم الإسلامي ووضع لها اصحابها خصائص من عند انفسهم محددة من الناحية النظرية وكانت محددة في الممارسة والسلوك والمواقف . فلم تكن الحداثة في الادب قضية تتعلق بالشكل الفني فقط ، كما اعتقد بعضهم وظن بأنها تعطي لادبنا نفحة من الحيوية التي تمكنه من التعبير عن هموم العصر ، بل الحقيقة المؤيدة بالبراهين والادلة القاطعة والواقع المنظور – بعد الموجة الاولى من تمرير مفهوم الحداثة – تثبت أن الحداثة ليست شكلاً فنياً حيادياً على الاطلاق . انها شكل مرتبط بفلسفة حياة ومنهج فكري محدد وموقف من الكون والحياة والإنسان . انها ارتبطت منذ البداية بتمرد الانسان الاوربي على الدين او ممثلي الدين وعلى القيم الاجتماعية والخلقية والسلوكية ، انها توجه كامل نحو (تأليه) الانسان واحلال غرائزه وتصوراته محل شرائع الدين والاخلاق وبهذا تكون الحداثة نظرة شمولية جديدة للحياة كلها بمختلف جوانبها غير مقتصرة على الجانب الفني او التصورات الادبية ، وهذا ما يؤكده دعاة الحداثة العربية انفسهم ، فمن خلال أقوالهم يظهر ان الحداثة العربية عنوان لمذهب فكري مادي شامل يسعى الى تغيير جميع نواحي الحياة في العالم الاسلامي ويتخذ من الادب وسيلة الى ذلك التغيير ، ويظهر التوجه المادي التغريبي لهذا المذهب من خلال تصريحات اصحابه ونتاجهم الادبي والنقدي ومن خلال انتمائهم السياسي وثقافتهم الغربية . ومن الواضح ان انقطاع الحداثة عن سلامة التصور الايماني للكون والحياة والانسان ، وانقطاعها عن مصادر المعرفة الحقة واعتمادها الاساطير وانقطاعها عن الماضي بما فيه من حق وخير ، جعل الحداثيين يسيرون في خط معاكس ومغاير ومناقض لما في مجتمعنا من مثُل اسلامية وقيم ايمانية ووجدوا انفسهم في حيرة من امرهم كيف يمكنهم تغيير هذه القيم الاساسية في المجتمع وتجاوزها وتخطيها الى ما يريدونه من قيم اخرى ، فصاروا يشعرون بالانفصال عن المجتمع والعزلة عن العالم وامتلأت دواوينهم وقصصهم بمشاعر الغربة والانطواء والحقد على الناس واحتقارهم . وارتفعت اصواتهم بالدعوة الى تدمير القداسة وإلغاء الخطيئة وإحراق التراث ، وهاجموا مقدسات المسلمين وعلى رأسها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وقد اتخذ دعاة الحداثة لهذه المهمة الخطيرة اساليب ماكرة خبيثة ليبتعدوا بها عن اثارة الرأي العام واجهازه عليهم فعمدوا – من جملة اساليبهم – الى اسلوب التأويل للنصوص القرآنية والاحاديث النبوية الشريفة بما يتفق وأهدافهم الهدامة ، مدعين ان مشكلة الحداثة ليست مع النص الأصل (القرآن والحديث) ، وانما هي مع ما اسموه بالنص الثاني أي تفسير القرآن والحديث . وفي عالمنا الاسلامي وجدنا موقفاً رافضاً مستنكراً لهذه الحداثة الشاذة ، يقفه مفكرون محنكون ونقاد متمرسون رأوا في هذه الحداثة اتجاهاً فكرياً أشد خطورة من الليبرالية والعلمانية والماركسية وكل ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة ، ذلك انها تتضمن كل هذه المذاهب والاتجاهات ، وهي لا تخص مجالات الابداع الفني أو النقد الادبي ، ولكنها تعم الحياة الانسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على السواء 0 ومع ذلك فلا تعني المواقف الإسلامية الرافضة للحداثة الادبية بمفهومها الغربي ، أن الاسلام يغلق جميع الأبواب بوجه الحضارة الغربية وثقافتها ، بل يتبلور من خلال تلك المواقف وغيرها تيار إسلامي يتشبث بعقيدته وتراثه ولغته ومجتمعه بمقابل تيار متغرب يتنكر لكل ذلك مفتوناً بحضارة الغرب بجميع أبعادها المادية والمعنوية سواء كانت حقاً أم باطلاً . وعلى العكس من ذلك يرى دعاة التيار الاسلامي الاصلاحي وبأعين نافذة أن الحضارة الغربية اذا كان لها سبقها في العلوم المادية فليس الامر كذلك في العلوم الانسانية ، فقد جهلت هذه الحضارة الانسان والجانب الروحي فيه ، ولم تستطع ان تقدم اليه ما يسعده سعادة حقيقية وما ينقذه من المهالك والمخاوف ولم تقدم اليه ما يزيده إلاّ ضياعاً وحيرة وتأخراً في ميزان الانسانية ، وهكذا فالمدنية الغربية لا تؤخذ بكل ما فيها فهي ليست على حق في كل ما تدعو اليه . وبناء على ما تقدم فقد انطلق هذا التيار الإصلاحي في عمله من مبدأين : الأول- هو العودة الى الذات وإحياء الهوية الثقافية التاريخية والإسلامية للأمة0الثاني- يقول بالتعامل الايجابي مع معطيات التمدن البشري وفي الوقت ذاته اتخاذ الحيطة والحذر في مقابل نزعة الغرب التوسعية وتوجهه الاستعماري وانحرافه الفكري والاجتماعي 0وبهذا يتضح ان منهج النقد الإسلامي يرفض الحداثة الادبية بمفهومها الغربي الهدّام وهو في الوقت ذاته يدعو الأديب الإسلامي الى تفعيل رؤاه وتصوراته الاسلامية بما ينسجم وواقع الحياة المعاصرة ابتعاداً عن جميع مظاهر الغربة النفسية السلبية التي يعيشها غيره من الادباء الارضيين ، ويدعو هذا المنهج كذلك الى افادة الاديب الاسلامي من جميع منجزات العصر المنسجمة وحركة الاسلام في تطوير الحياة واتمام مشروعه الحضاري في ازالة مظاهر الانحراف وتحقيق التكامل الانساني . *هذا المقال ملخص بحث للكاتب منشور في ( مجلة اللغة العربية وآدابها ) المحكّمة . تصدر عن كلية الآداب – جامعة الكوفة . العدد ( 13 ) السنة – آذار 2012 م ، ص 267 – 329 .


الكاتب: عبد الكريم المحمود
0المفضلة
16 المشاهدات
0 تعليقات