صورة المجتمع في نظرية الأدب الاسلامي*
Oct 8, 2021 04:07 PM Oct 8, 2021 04:07 PM
من المباديء المهمة في نظرية الأدب الإسلامي , النظر إلى أية ظاهرة اجتماعية من خلال موقعها الحقيقي في سياق النظام الاجتماعي الخاضع للسنن الالهية الحاكمة لحركة التاريخ والتطور الحضاري , والمرتبطة بسنن الله في الكون عامة ، فمن هذه السنن مجتمعة يتكون النظام الكوني المتناسق والمنسجم في وحدة لاتحيد عن خطها المرسوم في لوح الازل , وانما عقول البشر هي التي قد تنحرف عن مهيع التناسق الكوني إفراطاً أو تفريطاً , قصوراً عن ادراك وشائج التناسق , او جموحاً في ارتياد تلك الوشائج فتتوهم وتتخيّل , ثم لاتلبث الحقائق الكونية في سنن الله أن تردّها إلى دائرة الحقيقة الكونية الكبرى بأن قضاء الله وقدره وراء كل وجود وحركة في الكون أو المجتمع , ولاينكشف جوهر هذا الحق لعقل الانسان إلاّ بعد إيمانه بالله وقدرته المطلقة وعدله وحكمته , أما حين يتجاوز العقل رحاب الايمان فسوف يطوّح به الغرور في متاهات لامعالم لها ويحسب السراب ماء فيجري إلى حيث لا يرتوي ويظل دائراً حول نفسه لايهتدي إلى حقيقة السنن الربانية الثابتة , فبغيرالنظرة الايمانية المستندة الى الفطرة السليمة يضطرب التصور لهذه السنن وتضطرب العلاقة والتعامل والموقف , ويصبح موقفاً ينشر الفساد في الأرض والفتنة بين الناس . فالحياة في نظر المؤمن ليست صراعاً مع الكون ولاصراعاً مع سنن الحياة ولكنها وعي وتدبّر وعبادة وسعي نحو التكامل وهذا هو الدورالاصيل للانسان في تحريك التاريخ واضفاء الخصائص الانسانية التي تلون المسيرة الاجتماعية وتهبها صبغتها المشتركة ووحدتها الفطرية الأصيلة التي ُبني عليها وجود الانسان بكل أبعاده الانسانية , ولايعني هذا التاكيد على الفطرة رفض دور العوامل الاخرى في صنع التاريخ , بل إن هناك نوعاً من التوازن بين الفطرة المحركة وبين العوامل الاخرى كالقوانين الكونية المحسوسة وغير المحسوسة , والفكر والارادة الانسانيين , والتوجيه السماوي عن طريق الاديان التي تشكل نقاط الضوء في التاريخ البشري . وعلى هذا فإن حركة التاريخ من وجهة النظر الدينية عامة ذات سياق واحد محكومة بالتوحيد , ولذا هدفت الاديان جميعاً إلى احتواء هذه الحركة في أطرها التشريعية باعتبار أن هذه الاطر هي دليل الفرد والمجتمع في بنائهما لحركة التاريخ محكومين بسنن وقوانين متماثلة تأسيساً على الفطرة التي فطر الله الناس عليها . وهذا هو التفسير المتوازن لحياة المجتمع الإنساني وتطوره التاريخي ,الذي لاينبغي أن يغيب عن تصور الأديب الإسلامي خلال معالجته الفنية لأية ظاهرة من ظواهر المجتمع , ايجابية كانت أم سلبية بالقياس إلى السنن الالهية المنبثقة من صميم التركيب البشري ومعطياته المحورية الثابتة فطرة وغرائز وأخلاقاً وفكراً وعواطف ووجداناً , ومن قلب العلاقات والوشائج والارتباطات الظاهرة والباطنة في العالم الذي يتحرك فيه الانسان . ولا تؤدي هذه السنن الالهية دورها في حياة المجتمع بمعزل عن الفكر والإرادة الانسانيين لأن الانسان بعقله وارادته يشكل أرضية عمل السنن غالباً دون تجاهل التأثيرات الكبرى للعوامل اللاارادية في التاريخ الحضاري للانسان ، الا ان التاريخ يبقى مصنوعاً ومصوغاً وفق الخط الفكري والارادي للانسان. وآيات القرآن الكريم تدل على أن السنن التاريخية لاتجري من فوق رأس الانسان بل تجري من تحت يد الانسان ف(إن الله لايغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ) , (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً ). فهناك توازن بين العوامل المحركة للتاريخ الحضاري وبين ارادة المجتمع التي تعتبر في اطار الفكر الخطوة الاساسية للتحريك . وبهذا التصور الشامل المتوازن للحياة الاجتماعية , فإن المنهج الأدبي الإسلامي يطالب بالحاح بأن يعتمد النتاج الفني النظرة الاجتماعية الشمولية والتصور الذي يستقصي كافة أبعاد الحياة البشرية . والسرّ في هذا أن عرض الموضوع بأكمله وتصوير عناصره وأطرافه أجمعها يمكننا من ادراك قيمته ورتبته الواقعية وآثاره الملموسة . وبديهي أن المذهب الأدبي الإسلامي يربط النظرة الشمولية إلى الموضوعات الاجتماعية بالنظرة العقائدية التي يقدمها ديننا الحنيف ، فيعمد الى تركيزالفهم المعنوي للحياة والإحساس الخلقي بها ،ناظراً الى الحياة الفردية والاجتماعية بشكل متوازن من خلال تفسير شامل وعميق لطبيعة الانسان والمجتمع الانساني في وحدته وترابط أجزائه وظواهره وأثر السنن الالهية في حركته وتطوره ، وهذا أساس متين في معالجة الاديب الاسلامي لمختلف الظواهر الاجتماعية وتصوير النموذج الاسلامي المنشود للمجتمع الانساني بتاكيده على الصيغة المطلوبة لعلاقة المسلم مع مجتمعه بما يعزز الرابطة الاجتماعية بين المسلمين ويسهم في بناء المجتمع الاسلامي المتماسك . ويختلف الادب الاسلامي – من هذه الجهة – عن الآداب الجاهلية التي حرصت على ربط الظاهرة الاجتماعية بجزء واحد منها وجعله العامل الاساس الذي يتحكم في توجيه الاسباب الثانوية وتصريفها , وهذا النوع من التصوير لا رصيد له في الواقع المعاش بل هو منحصر في فرضيات ونظريات وهمية حاكها الفكر الجاهلي كي يضلل بها الادباء وسائر الناس ، كما فعل فرويد في محاولته اقناع الناس بأن علة العلل النفسية لا تعدو عملية الكبت الخطير الذي يصيب الغريزة الجنسية بسوء . فأضحى الادب بعد ذلك يصور مظاهر المجون والخلاعة والعري والاختلاط الجنسي لعله يفلح في (تحرير) الانسان من (قيود) الدين والاخلاق التي كبلت غريزته الجنسية . أما دوركايم فذهب هو الآخر يحلل الظواهر الاجتماعية رادّاً اياها الى الضمير الجمعي الذي يمتلك قوة جبارة داخل كيان كل فرد تتمكن من توجيه سلوكه وتحديد تصرفاته ومشاعره ومواقفه . فالانسان – وفق هذا المنظور – ما هو إلا آلة يسيّرها المجتمع لا اكثر . ثم جاء ماركس ليزيد الطين بلة فدعا بكل تبجح الى أن نرفض تعاليم الدين باعتبار أن الانسان مسيّر خاضع للحتمية الاقتصادية التي تتلخص في وسائل الانتاج وانعكس هذا على ادب الواقعية الاشتراكية فصار يبين دوماً ان السبب الوحيد للمشكلات الاجتماعية هو الصراع الطبقي الذي يولد الفقر والبطالة والفساد الاجتماعي . إن هذه التفسيرات الاختزالية التجزيئية للظواهر الاجتماعية قد شوهت حقيقة رسالة الأدب وجعلتها تتخبط في قضايا وهمية ونظريات باطلة تاركة التصور الشمولي الذي يرد كل المشكلات والأزمات الى ذات الانسان ككل لا الى جزء من أجزائها . مقابل هذه التفسيرات الوضعية يجئ التفسير الاسلامي ليوضح ان الفهم الصحيح للقضايا الاجتماعية والعلل البشرية لا يحصل الا بفحص مصادرها التي تحوم كلها حول انحراف الانسان عن الصراط المستقيم الذي يتماشى وحاجاته الفطرية ودوافعه الحقيقية ؛ ولذلك يهتم الأدب الاسلامي بالفطرة الانسانية المحرزة للتقوى بنقائها الاصيل وحيويتها واحساسها بالمسؤولية امام نظام الكون ، فتكون الفطرة السليمة منطلقاً لدوافع الحركة في التاريخ وتطور المجتمع , وبالمقابل فإن فساد الفطرة يطلق موانع الحركة والتطور متمثلة بالفساد الروحي والاخلاقي وإثم القلوب ورينها وانسدادها وعماها ووقر الآذان وتدسية النفس والاقتداء بآثار الآباء واطاعة الكبراء والسادة واتباع الظن والاسراف والترف وأمثالها مما يصد حركة الانسان على طريق الخير والصلاح والتكامل . وبهذا فان العامل المحرك للتاريخ يكتسب صفته الروحية اكثر من صفته الاقتصادية او المادية ، وعلى هذا الاساس تتعين اسباب تقدم المجتمع وازدهاره او انحطاطه وزواله , ومن هنا تتبلور النظرة الروحية للاديب الاسلامي في تناوله وتصويره لأية ظاهرة اجتماعية باعتبارأن هذه الظاهرة جزء من الكل الذي تحركه العوامل الروحية والاخلاقية بالدرجة الاولى , أما العوامل المادية والاقتصادية فإنها تأتي بالدرجة الثانية ، ومحور تلك النظرة الروحية هو الاهتمام بالفطرة الانسانية ومعطياتها واتخاذها أساساً في عملية التغيير والاصلاح النفسي والاجتماعي . وعلى هذا فان الادب الاسلامي لا يستند الى العقد النفسية او تحريك نوازع الحسد والشهوة وحب الانتقام بين طبقات المجتمع الانساني بل يعالج الظواهر الاجتماعية في إطار القيم الانسانية ويرفض جميع التوجهات العنصرية والطبقية والمهنية والمحلية والاقليمية والفردية ، ويؤمن بتوجه رسالي واحد هو الاسلام والتسليم لله تعالى وحده ؛ لذلك فهو يحفز الحس الاجتماعي لدى المسلم ويضعه امام مسؤوليته الكبيرة تجاه المجتمع حيث يؤكد على الرابطة الوثيقة بينهما والتي لا يمكن أن تنقطع مادام الانسان يتمسك بتعاليم الاسلام وأحكامه ، ومن الواضح أن الصورة التي يرسمها الاسلام لعلاقة المسلم مع المجتمع الاسلامي ، هي الاطار الذي تنضج فيه الشخصية المتزنة في علاقاتها العامة . فلا تطغى نوازع الذات على سلوك المسلم ولا يسقط في جوف ذاته منغلقاً داخلها فلا يخرج إلاّ لغرض شخصي او لتلبية رغبة ذاتيه . وانطلاقاً من هذا المبدأ فان الادب الاسلامي يدعو الى الاخلاق الاجتماعية الفاضلة والآداب العامة الحسنة التي تزيد الكيان الاجتماعي قوة ومتانة . ومعلوم ان التماسك الاجتماعي يقوى ويشتد حين يتمثل الافراد كافة القيم الخلقية كالتعاون والايثار والكرم والتكافل والتناصح والتواضع والمحبة وما سوى ذلك . وان الادب الاسلامي لا يميل الى السرد النظري والشرح العقلي لهذه القيم وانما يعتمد طريقة الوصف الواقعي والتمثيل الاجتماعي ( أي تصوير نماذج بشرية مختلفة ) بغية بيان اجتماعية هذه القيم ، أي امكانية انزالها الى الواقع الاجتماعي المعاش . اضف الى هذا ان نجاح الادب الاسلامي في غرس القيم الخلقية الفاضلة في نفوس الافراد لا يحصل إلا اذا روعيت خصوصيات العصر وظروف البيئة ومميزات المحيط الاجتماعي في اطار تصور شامل لطبيعة المجتمع الانساني وعلاقته بالله وسننه الجارية في كيان هذا المجتمع وحركته التاريخية والحضارية ، ذلك التصور الذي يتجنب الأحادية في تعامله وتفسيره لحركة التاريخ والمجتمع . ومن واجب الاديب الاسلامي ان يستوعب هذه الحركة بجميع ابعادها ، وان يضع أية ظاهرة اجتماعية - يعمد الى تصويرها- في سياقها الصحيح من تلك الحركة الشاملة , ويتخذ من هذا المنهج الاسلامي في الرؤية والتصور معياراً صائباً في نقد الظواهر السلبية واستنكار مظاهر الشرّ ومحاولة تصحيح الانحراف في السلوك الاجتماعي من خلال طرح البدائل المصورة في مواقف انسانية تهز مشاعر المتلقي وتوقظ هاجس النقد في عقله وتحفزه نحو التغيير، ولا يعني هذا ان يحول الاديب الاسلامي عمله الفني الى بحث اجتماعي او نفسي او موعظة دينية ، بل لا بد له من اتخاذ طريق الفن الذي يتميز بخصوصية في العرض والتصوير والاداء ، كما يتميز بالتركيز على جانب معين ينفذ من خلاله الى هدفه حتى يحقق قيمة الجمال الاساسية في الفن الى جوار قيمة النفع ( المتعة والمنفعة للمتلقي ) . ورغم اهتمام الاديب الاسلامي بقضايا عصره ومشاكل مجتمعه الذي يعيش فيه ، إلاّ أنه لا ينساق مع جزئيات التجارب ويضيع بينها ، بل يجعل من رؤيته المتكاملة وتصوره الشامل بوتقة لصهر تلك الجزئيات وتوحيدها من خلال تناوله للتجارب الانسانية العامة الشاملة التي لا تموت بمرور السنين ؛ لأنها قضايا الماضي والحاضر والمستقبل ، ويشكل هذا التصور اساساً متيناً لموقف الاديب الاسلامي من الحياة في مجتمعه ، فلا يكون ادبه مجرد مرآة عاكسة لحياة هذا المجتمع لأن الادب حين يقتصر على النقد والتسجيل ، يفقد جدواه ويتحول الى ضرب من العبث بل سيكون اداة هدم للبناء الاجتماعي حين ينقل مظاهر القبح والشذوذ والشرّ ويؤكد وجودها كما تعارف على ذلك من يسمّون انفسهم بكتاب الواقعية الذين تمادوا في تصوير مظاهر العنف والجريمة والجنس والصراع الطبقي وغيرها من الشرور والقبائح وبالأخص موضوع الجنس والحب الجسدي واللذة البهيمية وما يتبع ذلك من تصورات وانفعالات . والأدب الاسلامي الذي يعيش دائماً في أكناف القرآن ويتفيأ ظلاله الوارفة يستطيع أن يتحدث عن كل علاقة حبّ نقية لافسوق فيها ولاعصيان . كما يستطيع ان يتحدث عن اثرها في دفع كل من الذكر والانثى الى ابراز ما يعتمل في نفسه من مشاعر وما يقوّي عزيمته على عقد الرباط المحبّب الى الله سبحانه وتوثيقه , كما في وسعه أن يتحدث عن تقلّبات هذه العواطف بين التأجّح والفتور والشدّ والجذب ما دام ذلك كله يتمّ في حدود النظافة والنقاء ويجري على شريعة الله في إحلال الطيبات وتحريم الخبائث , ولايقتصر موضوع الحب في الأدب الاسلامي على هذه العلاقة المعروفة بين الرجل والمرأة , بل يتسع لعلاقة روحانية تربط اجزاء الكون بعضها الى بعض وتجعل منها وحدة منسجمة متماسكة تسير نحو هدف الهي عظيم . وما الحب الانساني إلاّ جزء من هذا المعنى الواسع للحب الكوني , فكل علاقة ايمانية يبنيها الانسان المؤمن مع ابناء جنسه من البشر هي ضرب من الحب كعلاقته بالأب والأم والأخ والابن والزوج والصديق والقريب وغيرها من العلاقات , بل إن الانسان المؤمن لتفيض منه عاطفة الحب حتى على سائر اجزاء الكون من الحيوان والنبات والجماد , ويتسامى حب الانسان المؤمن حتى يصل الى أعلى درجاته وأسمى مراتبه في حبه لله وشوقه اليه ، وشعوره بأن الله سبحانه يبادله ذلك الحب بما يفيضه على قلبه من نعمة الانجذاب اليه . وان هذا الفيض من الحب الالهي حين يغمر قلب الاديب الاسلامي ويجري الى كل زاوية ومنعطف من احاسيسه ومشاعره ، يدفع بهذا الاديب الى ابداع اروع الصور والنماذج الاجتماعية السائرة في طريق الله وسننه الدافعة نحو التقدم والتطور الحضاري . *هذا المقال ملخص بحث للكاتب منشور في مجلة ( آداب الكوفة ) المحكّمة . تصدر عن كلية الآداب – جامعة الكوفة.العدد ( 10 ) السنة الرابعة 2011 م ، ص 213 – 264 .


الكاتب: عبد الكريم المحمود
0المفضلة
20 المشاهدات
0 تعليقات