نهج البلاغة مثال الأدب الاسلامي الرفيع*
Oct 8, 2021 04:11 PM Oct 8, 2021 04:11 PM
يتربع نهج البلاغة للامام علي بن أبي طالب(ع) على قمة الأدب الاسلامي مثالاً رائعاً ومتفردا لما أنتجه الأدباء الاسلاميون على مرّ العصور من ذلك الأدب الرفيع . وأول ما نلحظه من خصائص هذا الأدب في نهج البلاغة هو طابع الاسلامية وأعني بها ارتباط هذا الأدب بعقيدة الاسلام وصدوره عنها ، ومن الواضح أن معتقد الاديب جزء اساس من الاطار العام لتجربته الشعورية ، وغني عن البيان أن الامام علياً(ع) كان قد بلغ حدّ الذوبان في عقيدته الاسلامية الراسخة فلابد أن يظهر أثر ذلك فيما ينتجه من أدب . والاسلامية هنا تعني مذهباً أدبياً متميزاً عن سائر المذاهب من الكلاسيكية او الرومانسية او الكلاسيكية الجديدة او الواقعية او الطبيعية او الواقعية النقدية او الواقعية الاشتراكية او الرمزية او السريالية او الطليعية او المستقبلية ..الى آخره ، انه مذهب متميز قد يلتقي مع هذا المذهب او ذاك لقاءً جزئياً . ولكنه يبقى مذهباً ادبياً اسلامياً مستقلاً لأنه في الأصول والكليات لا يمكن بحال أن يلتقي مع أي من المذاهب الادبية الاخرى . إنه إذا حدث أن تم لقاء ما في الشكل فإنه يندر على مستوى المضمون والمذهب عموماً لأن نقاط الخلاف أكبر وأعمق بكثير من نقاط اللقاء . ومن خلال طابع الاسلامية في أدب نهج البلاغة يظهر مبدأ الالتزام الذي يتفق جميع النقاد الاسلاميين على ضرورة تحققه في الأدب الاسلامي ، وانطلاقاً من هذا الالتزام فإن الادب الاسلامي يرفض جميع المصادر التي تعتمدها الآداب الاخرى . فاذا كانت الكلاسيكية ترجع دوماً الى العقل واذا كانت الرومانسية تؤثر العاطفة على العقل واذا كانت الواقعية تفضل الواقع الموضوعي على ماسواه، وهلم جرا، فان المنهج الاسلامي يفرض على الاديب الملتزم أن يعتمد الاسلام وحده في تصوراته ومواقفه فضلاً عن ادبه ونتاجه الفني وهذا ما نلمسه واضحاً في نصوص نهج البلاغة . وإن الالتزام بالاسلام في أدب نهج البلاغة لم يجعله مقصوراً على موضوعات بعينها دون غيرها بل نجد هذا الأدب يسيح في عوالم الانسان والكون والحياة والمجتمع سياحة منسجمة مع فطرة الوجود وناموسه الأكبر . ومن هنا يكتسب الادب الاسلامي في نهج البلاغة صفة الواقعية باعتبار أن الواقع في التصور الإسلامي أوسع من هذا الواقع المحدود الصغير ، يرقى الى ما فوق الواقع ويرى أنه جزء من الحقيقة مثلما أن الواقع المادي الملموس جزء من الحقيقة كذلك . وبهذا يتسع الواقع ليشمل الغيب والشهادة ، العقل والوجدان الروح والمادة ، واقع الارض وواقع السماء ، كل هذا يتعاضد في مفهوم الواقعية الاسلامية. وهذا ما يميز الثقافة الاسلامية عن الثقافة الغربية التي لا تتعدى الواقع المادي الى ما سواه ، فهي واقعية حتمية طينية لا ترى ابعد مما ترى او تحسّ . ولا تنظر الى الانسان إلاّ في حدود (حيوانيته) وغرائزه مثلما الهمتها به النظريات المادية في علوم الحياة والاقتصاد والاجتماع بما يشبه الجبرية او الحتمية التي تكون في حياة الحيوان ، إن الواقع – في التصور الإسلامي – جزء من الحقيقة الكلية العليا او هو صادر من تلك الحقيقة . ولا يمكن تجاوز الكل والمنبع والمصدر الى الجزء ، اللهم إلاّ اذا فقد الانسان وعيه وعقله، وروحه ومشاعره ، وبقي رهين حواسه كالحيوان الذي لا يقوى إلاّ على التحرك من أجل إشباع غرائزه . إننا نرى انطلاقاً من التصور الاسلامي للوجود أن الواقعية منتهى الواقعية هي التعلق بالمطلق الازلي ووصف أشواق الروح الصاعدة والمنتهية اليه مثلما هي التعلق بالواقع الجزئي في رصده والتفاعل معه والاحساس به واتخاذه وسيلة في الوصول الى الواقع الحقيقي المطلق واستكناه ما ينطوي عليه من الحق والخير والجمال ، ويعدّ هذا الوصول اسمى غاية يحاول الاديب الاسلامي بلوغها وليست هذه الغاية ضرباً من الخيال او الوهم او المثال الذي لا يتحقق، بل هي واقع اسمى وارفع واشمل من الواقع الأرضي الثقيل المحدود ، ولقد كان الواقع الارضي دائماً جزءاً صغيراً جداً من واقع متسع الآفاق ممتد الحدود امتداداً لا يعرف التوقف ، والاديب الموهوب هو أكثر المخلوقات مقدرة على الاحساس بذلك الواقع المتسع غير المنظور ، لأن الانسان يحتاج الى قوى خفية وغير عادية لبلوغ تلك الحقيقة العليا . إننا مع أديب فذ كعلي بن أبي طالب(ع) نصل الى أبعد آفاق هذا الواقع الكلي الفسيح فنشهد التوحّد والتوازن والانسجام مع السنن الالهية في الكون والانسان والحياة والمجتمع بعد الوعي التام بهذه السنن والقوانين الخفية المحركة للوجود ، ولا يتحقق هذا الوعي والانسجام الموصل الى الحقائق العليا إلاّ في نفس أديب مؤمن موهوب كعلي بن أبي طالب الذي ينطلق ابداعه في بعد انساني كبير وامتداد كوني واسع . وهذه هي الواقعية الاسلامية الداعمة للوعي والشعور الانساني باعتبار الانسان محوراً مهماً واساسياً في هذا الكون. وهي تختلف بهذا المنظور عن الواقعية الاشتراكية الممسوخة في حقيقتها لانها تاخذ في حسابها الوجه المحسوس للأنسان وترفض الاعتراف بالوجه الآخر غير المحسوس ،الوجه الروحي الميتافيزيقي ، وتختلف الواقعية الاسلامية من جانب آخر عن كل من الواقعيتين : الاوربية (الانتقادية والطبيعية) ، والاشتراكية(الماركسية) وإن كانت هنالك اسس موضوعية وفنية قد تجمع بينها جميعاً. ومن النظرة الواقعية الاسلامية الهادفة الى تحقيق التكامل الانساني ، يكتسب الادب الاسلامي في نهج البلاغة طابعه الاخلاقي والاجتماعي الاصلاحي واذا كانت بعض التيارات الادبية تعارض ان يكون للادب غاية خلقية ، فان الواقعية الاسلامية لا يمكنها ان تتخلى عن هذه الغاية التي الحّ عليها كثيرون في الماضي والحاضر . لقد اكد اوسكار وايلد على الرسالة الخلقية للفن بالمعنى الواسع وتعني هذه الرسالة لديه: مساعدتنا على فهم الحياة . وقد آمن بهذه الرسالة افلاطون وارسطو من قبل ، ثم مونتاني وموليير من الفرنسيين وبن جونسون ودكتور جونسون من الانجليز . ولدى الامام علي بن أبي طالب(ع) نجد أن التعبير عن هموم المظلومين والمقهورين والمستضعفين من عامة الناس يمثل لب الرسالة الخلقية للواقعية الاسلامية المتجسدة في نهج البلاغة . ومن نافلة القول أن أدب نهج البلاغة بعيد عن الفحش والتهتك الذي أصيب به الأدب على مرّ العصور وبخاصة في عصرنا الحديث الذي سُحر فيه الأدباء بما أفرزته المجتمعات الغربية المتفسخة من أدب مكشوف لا يتحرج من وصف العورات واثارة الشهوات واستباحة الحرمات فضلاً عن ادب العنف والقتل والجرائم كالسرقة والاختلاس والاغتصاب وغيرها من فنون الجريمة مما كان له الأثر الكبير في افساد الاخلاق وانحراف العواطف ، اننا في نهج البلاغة نلتقي بما يخالف ذلك تماماً ، نلتقي بأدب يدعو الى الطهارة والفضيلة والحب والسلام والاخاء بين بني الانسان سواء على صعيد المجتمع الاسلامي او المجتمع الانساني عموماً . ولا يعني هذا أن أدب نهج البلاغة لا يتناول قضية الصراع بين الخير والشر بل هو يصوّر الخير والشر ولكنه يهدف من ذلك ـ على الدوام ـ الى الترغيب بالخير والحضّ عليه وتزيينه في النفوس ، والتنديد بالشر واجتثاثه من القلوب وبالجملة يهتم هذا الأدب بالحياة الاجتماعية ومشكلات العصر على اطلاقها ولهذا نجده ينتقد الفئة الظالمة والافراد الظالمين اياً كان انتماؤهم الى الطبقة العليا او الوسطى او الدنيا على السواء ، وهذا ما يمنحه صفة الرسالية الجهادية والتربوية باعتبار أن منتجه يعلم أنه صاحب رسالة وطالب غاية ويؤمن بأن عطاءه لله ولهذا تنتفي عنه الاباحية ومسايرة الاهواء ، وتثبت له صفة الادب الثوري لانه يهدم فكرة ويبني اخرى ، فضلاً عن صفة(الادب التربوي) لأن الغاية منه أن يعمل على تنقية الذهنية المسلمة القائمة من شوائب الانحراف الى اليمين او اليسار ومن أوضار الرجعية الى الشرك او الالحاد . ولاتمنع هذه الهدفية الجادة من اتصاف الادب في نهج البلاغة بالجمالية والمتعة ، ومن ثم فهو يُبطل الزعم القائل بأن الأدب الاسلامي ادب صارم في جديّته خالٍ من المتعة الفكرية او الفنية ، ويكتمل الجمال المضموني في أدب نهج البلاغة بما يوازنه من جمال التعبير والاسلوب الفني الملائم فهو يحقق التوازن المطلوب بين الشكل والمضمون في العمل الادبي ومن المؤكد أن هذا التوازن الجوهري لا يتحقق إلاّ بصدق الاديب واخلاصه في تجربته . وبأثر الالتزام بالصدق في أدب نهج البلاغة تتقرر صفة أخرى لهذا الأدب هي الوضوح والبعد عن الابهام والغموض السلبي الذي يكتنف الأدب الحديث مما يمنع المتلقي عن التمثل والاستيعاب ولا يتفق مع طبيعة الثقافة العربية والاسلامية التي يشكل الوضوح سمة بارزة من سماتها . وهذا الوضوح لا يعني السطحية والتعبير المباشر واداء المعنى بشكل مبتذل رخيص او تقريره في الذهن تقريراً ساذجاً كما تقرر الاقوال العادية في لغة الخطاب اليومي . اذ ما نجده في نهج البلاغة من أدب رفيع يجسد أروع صفات البيان العربي ويمثل أرقى أساليب الفصاحة والبلاغة العربية في عصرها الذهبي . ورغم الشمول الزماني والمكاني والطابع الانساني العالمي الذي نلمسه في أدب نهج البلاغة ، الاّ أن هذا الادب لا يحقر بيئته الخاصة ولا يتنكر لظروفه المحلية ، وليس اجدر منه في تحقيق الوفاق والانسجام والتكامل بين قطبي المحلية والعالمية فإن الخصوصية الاسلامية التي هي وليدة الزمن والمكان ، لا تتعارض مطلقاً مع التوجه (العالمي) او الإنساني خارج قيود الزمن والمكان والبيئة والتاريخ لأن الاسلام في الوقت نفسه توجه ابدي صوب الانسان في كل زمان ومكان ، ولأن من اهدافه أن يصنع عالماً سعيداً لبني ادم جميعاً وأن يعينهم جميعاً على تجاوز متاعبهم وآلامهم. ومن هذا التوازن الذي نشهده في أدب نهج البلاغة بين المحلية والعالمية ، وتوازن الثنائيات الاخرى بين ما هو منظور وغيبي ، وطبيعي وميتافيزيقي، ومادي وروحي ، وثابت ومتغير ، ومحدود ومطلق ، وفان وخالد، ثم التوازن بين جميع هذه المضامين وقيم الشكل الفنية ، بهذا كله يكتسب هذا الادب صفته العالمية ويجتذب اهتمام الانسان في اقطار المعمورة ،ويصبح الأنموذج الرفيع والخالد للأدب الاسلامي الأصيل . *هذا المقال ملخص بحث للكاتب منشور في ( مجلة دراسات اسلامية معاصرة ) المحكّمة . تصدر عن كلية العلوم الاسلامية – جامعة كربلاء . العدد ( 4 ) ، السنة الثانية / أيلول 2011 م ، ص 147 – 166 .


الكاتب: عبد الكريم المحمود
0المفضلة
64 المشاهدات
0 تعليقات