• النقد الاسلامي لمذاهب الأدب الغربي – 3

    (الواقعية الاشتراكية ، السريالية) نقد مذهب الواقعية الاشتراكية : من أخطر النظريات التي بلغها الفكر الواقعي هو ما تجسد في الفلسفة المادية الجدلية والمادية التاريخية على أيدي فيورباخ وإنجلز وماركس مما كان له الأثر الكبير في ظهور ما سمي بالواقعية الاشتراكية في الأدب . لقد وقع هذا المذهب في عدة أخطاء بشعة أضرت بقيمه الفنية وألحقت الخلل بمضامينه أيضاً ومن تلك الأخطاء ما يتعلق بالنظرية الماركسية نفسها واعتمادها أساساً على العامل الاقتصادي وحده في تفسير حركة التاريخ وتطور الفكر بالاضافة إلى نظرتها الظالمة لمن لا ينضوي تحت لواء طبقة البروليتاريا واعتباره خائناً وعدواً لجماهير الشعب مما أدّى إلى امتلاء النفوس بأحقاد طبقية قاسية انتهت إلى برك من الدم ومظالم لا تحصى وبالنسبة لأدب ما بعد الثورة البلشفية فقد أكتظ بالدعوة المذهبية الصارخة والشعارات الطنانة التي تصرخ في قصصهم ومسرحياتهم وأشعارهم دون مواربة أو لباقة وكان هذا على حساب القيمة الفنية للأعمال الأدبية وكان من جراء ذلك أن كادت تموت بعض ألوان الأدب الأخرى التي تعالج مشاكل الإنسان الخاصة العاطفية والنفسية . وقد ضاعت الحرية في ظل هذا المذهب الضيق المحدود الذي يعتبر كل خروج عليه أو أي تصدّ بالنقد له خيانة ومروقاً وعصياناً بعد أن أحتفل بالقيم الجديدة المنحرفة التي سادت المجتمع الجديد ، تلك القيم التي حطمت الرابطة الأسرية في بدء الثورة الروسية وسخرت من القيم الروحية ورمتها بالعفن والسلبية والتفاهة فجفّ في أدبهم معين الأشواق الروحية والصلات العائلية بعد أن تحول الإنسان – في نظرهم – إلى ترس في آلة يعمل ليأكل وهو مطالب بأن يجهد نفسه فوق الطاقة كي يحقق أقصى ما يستطيع من إنتاج دون النظر لاحتياجاته النفسية وآماله الذاتية الخارجة عن نطاق العمل . ورغم ذلك فقد حاولت الواقعية الاشتراكية أن تستغل بعض نظريات علم الاجتماع تمويهاً لمقولاتها الايديولوجية الضالة . والحق أن علم الاجتماع لا يؤيد معظم تلك المقولات ، ونادت هذه الواقعية بوجوب تسجيل الأحداث والوقائع اليومية ونقلها على صفحة الأدب نقلاً أميناً تسويغاً منها لنقل الفساد ومظاهر الاباحية وأصناف المجون والخلاعة . وقد رفضت النظرة الاجتماعية الشاملة في سعيها إلى إذكاء نار الصراع الطبقي بين الناس لتسيطر طبقة على أخرى مخالفة بذلك المنطق السديد الذي يلح على ضرورة تنمية العلاقات الاجتماعية بين جميع الناس بحيث يعرف كل منهم دوره المنوط به والواجبات التي ينبغي أن يؤديها لفائدة الآخرين، ومن أبشع الأخطاء التي ارتكبتها الواقعية الاشتراكية هو محاربتها للدين محاربة شديدة مستعملة طرائق شتى وأساليب متعددة منها المباشرة ومنها الملتوية ، لذلك كله فأن الواقعية الاشتراكية تناقض التصورات الاسلامية ومنهج الأدب الإسلامي الذي يرى أن الأدب ظاهرة انسانية ضخمة لا يصح ربطها بعامل واحد كالعامل الاقتصادي الذي اعتمدته الواقعية الاشتراكية ، وإن المنهج الإسلامي يطلب من الأديب أن يهتم بالمجتمع كله لا بالطبقات الدنيا فحسب، وهو يرفض تفسير الحياة وفق النظرية المادية الجدلية ، كما يرفض المجتمع الشيوعي الذي تبشر به الواقعية الاشتراكية ، ويبشر بالمجتمع الإسلامي ويريد من الأدب أن يسهم في بنائه ، و إن المنهج الإسلامي في الأدب يسعى إلى بناء الجانب الروحي في الإنسان ولا يهمل الجانب المادي كما يسعى إلى تعميق صلة الإنسان بالله عز وجل ، وتعزيز إيمانه بعكس ما تسعى إليه الواقعية الاشتراكية التي ترفض الجانب الروحي من الإنسان وتوجه الأدب إلى محاربته ، وتنحدر بالأدب إلى المادية والإلحاد ودنيا الغرائز لذلك فإن الواقعية الاشتراكية مرفوضة – بالمنظور الإسلامي – مهما تلونت أو اتخذت اسماء متغيرة . وخلال سنوات تطبيقها الماضية ظهرت مساوئها بوضوح حتى ان بعض النقاد الماركسيين هاجموا سيطرتها على الأدب وسفّهوا إنتاجها كجورج لوكاتش الذي كتب يقول :(إن الأدب الذي أنتجته الواقعية الاشتراكية جدب يتميز بالجمود وضيق الأفق) وكروجيه جارودي الذي تحول عن الاشتراكية كلها واهتدى بهدي الإسلام . نقد المذهب السريالي : ومن مذاهب الأدب الغربي الهدامة ما عرف بالسريالية أي ما فوق الواقعية أو ما بعد الواقع، وهي مذهب أدبي فني فكري أراد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية ، وزعم أن فوق هذا الواقع أو بعده واقع آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعاً ، وهو واقع اللاوعي أواللاشعور وهو واقع مكبوت داخل النفس البشرية ويجب تحريره واطلاق مكبوته وتسجيله في الأدب والفن . وتسعى السريالية إلى إدخال علاقات جديدة ومضامين غير مستقاة من الواقع التقليدي في الأعمال الأدبية. وهذه المضامين تستمد من الأحلام سواء في اليقظة أو المنام ومن تداعي الخواطر الذي لا يخضع لمنطق السبب والنتيجة ، ومن هواجس عالم الوعي واللاوعي على السواء بحيث تتجسد هذه الأحلام والخواطر والهواجس المجردة في أعمال أدبية ، وبين الأمراض العقلية العديدة فإن احدها (البارانوياparanoia ) دال على الهدف الذي تتبعه السريالية ، بتقديمه إلينا تركيباً من الواقع والخيال . فالمصاب به البالغ جنون العظمة أو جنون الاضطهاد ، لا يسر بالالتجاء إلى حقله الداخلي ولكنه يجمّد كل ظاهرات العالم الخارجي حول فكرته المجنون بها ولا تستعمل انفعالاته الخارجية إلاً في اشهار أوهام روحه ، ولهذا تعتبر السريالية اتجاهاً يهدف إلى ابراز التناقض في حياتنا أكثر من اهتمامه بالتأليف . ومن هنا فإن مسرح العبث يعتبر الابن الشرعي للسريالية التي ظهرت في فرنسا سنة 1924 حين أعلنها اندريه بريتون في بيانه السريالي الأول متأثراُ بآراء فرويد عالم النفس اليهودي في تحليله للنفس الإنسانية وخاصة تلك التي تتحدث عن اللاشعور والأحلام والكبت ودعوته إلى تحرير الغرائز الإنسانية والرغبات المكبوتة في النفس البشرية واشباع الغرائز والرغبات اشباعاً حراً حتى لا تصاب بالأمراض النفسية كما يدعي . وهذه الآراء تتلاءم مع الدعوة إلى التحلل الأخلاقي في المجتمع البشري . وتأثرت السريالية كذلك بالفكر الماركسي الشيوعي ودعوته إلى الثورة لتغيير المجتمع واستخدام العنف في سبيل ذلك ، كما تأثرت بحركة سبقتها تدعى الدادية التي ولدت في زيورخ بسويسرا سنة 1916م وهي حركة فوضوية تكفر بالقيم السائدة والمعتقدات والتقاليد الاجتماعية وتنادي بالعودة إلى البداية ولذلك اختارلها أصحابها أسم (dadaisme) بمعنى (التأتأة) نسبة إلى أول تأتآت الطفل ((da.da وتطلق أحياناً على حصان الخشب ليسهل النطق به على السنة الأطفال . ومؤدى مذهب هؤلاء الدعاة أن التعبير الصحيح عن النفس الإنسانية إنما يرجع به إلى صورة الطفولة ورموز الأحلام وخفايا الوعي الباطن كما تبدو للحالم في المنام أو كما يرسلها الناطق عفواً بغير تأمل وبغير انتباه ، ورائد هذه الحركة ترستان تزارا الذي يصفه كاتب أوربي بأنه (المروج للفوضوية الفنية والاجتماعية ) . ولذا اعتبر النقاد أن السريالية وريثة هذه الحركة الدادية في أفكارها وتوجهاتها وأسلوبها . وأهم ما أُخذ على المذهب السريالي أنه امتاز بالرفض المرضي السلبي لجميع المذاهب الأدبية التي سبقته وعانى أصحابه علة الهوس فصاروا ينكرون كل شيء ولا يقرون بصحة أي مبدأ . والحق أن الرفض ينبغي أن يكون إيجابياً بناءً يستثمر في إطار خاص ويوظف لغايات فنية لائقة . ولا تعترف السريالية بالواقع الحالي معتبرة إياه فاسداً كل الفساد وان الواقع البديل الذي تريده للإنسان هو عالم آخر غريب عن عالمه . وهذا تطرف صارخ لا يقبله المنطق السليم ولا التفكير السديد . ولم يعترف المذهب السريالي بالأسس الفنية والخصائص الجمالية للأشكال والأنواع الادبية المألوفة باعتبار أنها صورة للواقع الفاسد المرفوض . وهذا الموقف ليس إلاّ نتيجة طبيعية ولازمة للموقف العام لهذا المذهب . والحقيقة أن الأدب في تطوره وازدهاره يحتاج دوماً إلى استلهام تراثه كما أنه يُعنى بتوسيع آفاق أنواعه وأشكاله الفنية لا أن يهدمها كما يدعي ذلك السرياليون مخالفة لسنن التطور وقوانينه ، ولهذا فقد أصبح جل النتاج الذي يكتبه السرياليون مهزوز الكيان ضعيف البنى بعد تصورهم أن الجمال يكون في بعثرة العناصر الفنية في العمل الأدبي وبترها وحذف بعضها . وهذا التصور لا يدعمه دليل ، بل إن العمل الأدبي – في المفهوم النقدي الأصيل – ينبغي أن تتوزع داخله جميع عناصره الفنية بشكل دقيق ومتوازن . والأديب العبقري بإمكانه أن يبتكر علاقات فنية وبنيوية جديدة تثري نتاجه الفني بعيداً عن الفوضى . أما تطرف السريالية في اعتمادها طريقة التداعي في تسجيل خواطر اللاشعور وما يعنّ له من هواجس وأوهام وخيالات بطريقة تلقائية ، فهو ضرب من التخبط والفوضى المانعة من تذوق النص الأدبي . وقد اقتحمت السريالية بشذوذها الثوري مجال العقيدة الدينية والتقاليد الاجتماعية واللغة وأثارت جدالاً عنيفاً بين أقصى الكاثوليكية في الغرب وأقصى الشيوعية في الشرق. وأخذت السريالية في الانكماش والتقوقع بعد ربع قرن من نشوئها وشعر دعاتها بعجزهم عن تحقيق أي هدف وبعقم ثورتهم ضد القيم والمعتقدات الدينية وإخفاقهم في إيجاد مسيحية جديدة تخلص الإنسان من عذابه وضياعه – حسب زعمهم – فتحول عدد منهم بعد الحرب العالمية الثانية إلى الشيوعية والالحاد ، وجنّ بعضهم وأدخل المصحّات العقلية والنفسية وتحول البعض الآخر إلى العبثية في الأدب المعبر عن انعدام المعنى وراء السلوك الإنساني في العالم المعاصر . أما أفكارها ومبادئها فقد تبناها مذهب الحداثة الأدبي الفكري حيث صبت جميع جداول السريالية في مستنقعه الكبير . وهكذا انتهت السريالية المعبرة عن فقدان الإنسان الغربي العقيدة الصحيحة واعتماده على ضلالات فرويد النفسية في اللاشعور والأحلام هذه الضلالات التي أدت إلى التحلل الأخلاقي واطلاق الغرائز من عقالها ، مما أودى بها بعد ربع قرن من نشوئها .

    الكاتب: عبد الكريم المحمود

    0المفضلة

    23 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من عبد الكريم المحمود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • النقد الاسلامي لمذاهب الأدب الغربي – 3