النقد الاسلامي لمذاهب الأدب الغربي – 4
Oct 16, 2021 01:52 PM Oct 16, 2021 01:52 PM
(الوجودية ، العبثية) نقد المذهب الوجودي : ولعل اعتى المذاهب الهدّامة في الأدب الغربي هو المذهب الوجودي وهو أشهر مذهب أستقر في الآداب الغربية في القرن العشرين ، وآية هدمه أنه يدعو الإنسان إلى القضاء على الجهود التي بذلتها البشرية عبر تاريخها الطويل للارتقاء بالشخصية الانسانية من طور الاباحية والحيوانية إلى مرتبة الكائن السويّ الذي تنشده الرسالات السماوية بعامة والاسلام بخاصة . وقد ولد هذا المذهب كالمولود المشوه أو المولود الذي لم يستكمل سني حمله ، فمنذ جاء به أصحابه إلى دنيانا الفكرية زرعوا في أرض الانسان بذور القلق الوجودي وسلسلوا أسباب القلق على الشكل الآتي : الانسان يختار والاختيار يستلزم المخاطرة فالاختيار اذن نوع من المجازفة والمجازفة تؤدي إلى القلق .. قلق من أجل تحمل المسؤولية الناشئة عن الحرية فيما اختار الانسان، وهذا القلق يشبه الدوار الذي يصيب الانسان عندما يحدق في هاوية اذ لامناص للانسان من الاختيار لأنه إذا لم يمارس الاختيار ومضى على ما أختاره الآخرون دو تدخل فكري في اختياره أزال نفسه فيهم وفقد حريته الانسانية ، ولذلك لابد له من ان يجازف ويدخل معترك الاختيار ، ولا يتم له الوجود الحقيقي بالاختيار إلاّ إذا أطلق العنان لرغباته وأفسح المجال أمام شهواته غير متقيد بدين أو عرف أو سلوك إذ يكمن الوجود اليقيني للإنسان في تفكيره الذاتي ولا يوجد شيء خارج هذا الوجود ولا سابقاً عليه ، وبالتالي لا يوجد إله ولا توجد مثل ولا قيم أخلاقية متوارثة لها صفة اليقين ، ولكي يحقق الإنسان وجوده التام فإن عليه أن يتخلص من كل الموروثات العقدية والأخلاقية ، ويتم ذلك بممارسة الحياة بحرية مطلقة . ومن الواضح أن هذه الأفكار المتطرفة تناقض ما جاءت به الأديان السماوية وعلى رأسها الإسلام من حضّ الإنسان على السيطرة على رغباته وشهواته وأطماعه وتوجيهها وجهة تنفع الفرد وتنهض بالمجتمع ، فهي لم تغلق في وجه الإنسان باباً من أبواب المحرمات إلاّ فتحت له باباً من أبواب المباحات فهي حين حرمت عليه الربا أباحت له الكسب الحلال عن طريق التجارة وغيرها ، وحين حرمت عليه غصب أموال الناس وأكلها بالباطل أباحت له التملك ، وحين حرمت عليه الزنى أباحت له الزواج ودعته اليه وحضته عليه . وهكذا فإن حرية الإنسان – في نظر الإسلام – يجب أن تكون محدودة ذات ضوابط وحواجز تقيها شر الفوضى وبؤس الضياع والتيه والضلال الذي وقعت فيه الوجودية بعد دعوتها إلى تحطيم العلاقات الاجتماعية بحجة أنها قيود لا معنى لها ومحاولتها نشر الانحلال في كل وسط اجتماعي بدعوة ملحّة إلى رفض كل المباديء السامية والقيم الفاضلة الموروثة ولذلك حاول الوجوديون إبعاد الموضوعات الاخلاقية عن مجال الادب بادعاء أنها دخيلة عليه أجنبية عن طبيعته مفسدة لجماله الفني ، وهذه الدعوة لا تختلف في بطلانها عن دعوى الالتزام والمسؤولية الوجوديين فما هما سوى تلاعب بالألفاظ يراد به خداع النفوس الساذجة والفطر السليمة وإلاّ فكيف تكون المسؤولية أو يكون الالتزام المرتبط بحرية الإباحية والتهتك والتميع في كل شيء من الأخلاق والسلوك والاجتماع والتعامل وغيرها ! ولعل أخطر ما في هذا المذهب هو أن كثيراً من الشباب المنحلّين وجدوا فيه سنداً فلسفياً يسوغ انحلالهم ويفلسفه فانطلقوا في دروب الرذيلة مجاهرين غير هيّابين ظانين ظن الوجودية بأن وجود الإنسان مقتصر على المرحلة التي تبدأ بساعة الميلاد وتنتهي بضجعة القبر ، ولذا فعليه أن يقبل على متع هذه الحياة أشد الاقبال وأن يعبّ منها عبّاً . وفاتتهم الحقيقة الكبرى التي يدل عليها العقل السليم وتهدي إليها الأديان السماوية بأن الدنيا لا تعدو أن تكون سبيلاً إلى الآخرة وأن الحياة الدنيا ما هي إلاّ مقدمة تمهيدية لحياة أبدية اُخروية ينال فيها الإنسان من السعادة على قدر ما قدمه من عمل صالح في هذه الدنيا . ولبعد الوجوديين عن هذه الحقائق السماوية الثابتة فقد عاشوا حالات القلق والهجران واليأس : القلق نتيجة للإلحاد وعدم الإيمان بالقضاء والقدر ونبذ القيم الاخلاقية والسلوكية ، والهجران الذي هو أحساس الفرد بأنه وحيد لا عون له إلاّ نفسه . واليأس الذي هو نتيجة طبيعية للقلق والهجران ، وقد حاول سارتر معالجة اليأس بالعمل ، وجعل العمل غاية في ذاته لا وسيلة لغرض آخر ، فحسب الوجودي أن يعيش من أجل العمل وأن يجد جزاءه الكامل في العمل ذاته وفي لذة ذلك العمل . وما أقله من جزاء وما أخسره من هدف ! نقد مذهب العبثية (اللامعقول) : ويلتقي مع الوجودية في ذلك الضلال والضياع ، ما عرف بالطليعية وتسمى أيضاً بمذهب اللامعقول أو العبثية وهي مدرسة أدبية فكرية تدعي أن الإنسان ضائع لم يعد لسلوكه معنى في الحياة المعاصرة ولم يعد لأفكاره مضمون وإنما هو يجتر أفكاره لأنه فقد القدرة على رؤية الأشياء بحجمها الطبيعي نتيجة للرغبة في سيطرة الآلة على الحياة لتكون في خدمة الإنسان ، حيث انقلب الأمر فأصبح الإنسان في خدمة الآلة وتحول الناس إلى تروس في هذه الآلة الاجتماعية الكبيرة . وجاءت مدرسة العبث كمرآة تعكس وتكبر ما يعاني منه إنسان النصف الثاني من القرن العشرين عن طريق تجسيده في أعمال مسرحية يكون موضوعها الرئيس هو تشخيص مصير الإنسانية على انه انعدام هدف في وجود غير منسجم مع ما حوله وان الوعي بهذا العوز للهدف في جميع ما نعمل يؤدي إلى حالة الكرب الماورا طبيعي ومن أبرز كتاب المسرح اللامعقول صاموئيل بيكت ، يوجين يونيسكو ، آرثر آداموف وغيرهم وقد حاول المحللون دراسة ظاهرة العبث واللامعقول في الأدب والفكر فعزوها إلى طبيعة الحياة الآلية الجافة في الغرب واضطرار الإنسان لأن يركع أمام الحاجة ويستسلم لسلطان الآلة وحركتها المنضبطة بلا عواطف أو شعور ، بل استطاعت الآلة أن تتبوأ مكانة أسمى وأهم من مكانة الإنسان في عالم الصناعة الرهيب ، مما دفع بالإنسان لأن يتساءل عن قيمة وجوده في هذا العالم الآلي المادي الذي لا يحفل إلاّ بالأرقام والإنتاج والوفرة وتحقيق الربح وكان طبيعياً لهذا الكائن الذي انقطعت روابطه بخالقه وفقد التواصل مع الآخرين أن يرتمي في أحضان العزلة والتغريب ويلوك الأسى والشقاء . وكان للحرب أثرها أيضاً فقد نشأ مذهب العبث في الأدب الأوربي وانتقل إلى الآداب العالمية المعاصرة بصفة عامة والدول التي عانت من الحرب العالمية الأولى والثانية بصفة خاصة وهي الدول التي فقدت ثقتها في مجرد المسلك العقلي المنطقي الذي يمكن أن يدمر في لحظات كل ما يبنيه الإنسان من مدنية عندما تحكمه شهوة السيطرة والتدمير كما فعل هتلر في الحرب العالمية الثانية . ولذلك فقد آمنت العبثية بانعدام المعنى والمضمون وراء السلوك الإنساني في العالم المعاصر لأن الآلة التي أخترعها الإنسان قد سيطرت عليه وولدت فيه الإحساس بالعبث والضياع وأدت إلى تحلل المجتمع وتفككه ولم يعد هناك روابط أسرية أو اجتماعية وتمادى الخوف والرهبة من الكون بما يقضي على كل تفكير عقلاني متماسك ولذلك لجأ العبثيون إلى آراء فرويد في علم النفس التحليلي وما فيه من ايحاءات وأحلام وخيالات وأوهام واتبعوا أسلوب الألغاز والغموض في التعبير بحيث لا يفهم النقاد ما ينتجون من أدب وشعر ، وتمسكوا بالسريالية التي تعد الأساس لمذهب العبث ، وذلك لما تحويه من شطحات العقل الباطن وهلوسة عالم الأحلام الزاخر بالهواجس والآلام والآمال ، كما تعدّ الرمزية من جذور هذا المذهب لما تحويه من صور مشوشة مضطربة تجمع بين الجمال والقبح والأسطورة والواقع . وهكذا أحدث العلم والفلسفة في أوربا فراغاً هائلاً وانعكس ذلك على فكر الإنسان وسلوكه وعلى الآداب التي يفرزها ، تلك الآداب التي لا تحمل رسالة واضحة يمكن الاتفاق أو الاختلاف معها ولا تقد م شخصيات تحب أو تكره فضلاً عما يلتصق بأدب اللامعقول من فقر في الأفكار وملل في التكرار، ولهذا نرى أن المنصفين من مفكري الغرب يقولون إن فكرة العبثية لا يمكن الدفاع عنها في عالم تثبت الأرقام أن غالبية سكانه يعتقدون بديانة تجعل الحياة ذات نظام وهدف ، ويتميز الإسلام عن جميع الديانات الأخرى بأنه الأكثر شمولاً وعمقاً وجدية في فهم الحياة ونظامها وغائيتها ولذلك فلا يمكن أن يتفق مع مذهب العبث واللامعقول ، وهي تسمية تحمل رؤيتها القاتمة القائمة على فوضوية الكون وعبث الحياة ولا جدوى الكدح البشري . ومنذ البدء فإننا نجد أنفسنا بإزاء موقف تصوري نقيض بالكلية لموقف (الإسلامية) القائم على ارتباطية الكون وغائية الحياة وجدوى الكدح البشري وعدالة المصير . ومن هذه الرؤية الإسلامية المتفائلة ينطلق الأدب الإسلامي فلا يؤرث ضياع اليقين كما تفعل العبثية ، بل يجعل اليقين مناط العقيدة والحياة والعمل ، والأدب الإسلامي يعلي من شأن الحياة ويمجدها ويجعلها دار عمل وصلاح وتقوى وجهاد وهي قنطرة إلى عالم آخر أبقى وأخلد وأروع ، وليست الحياة – في منظور الأدب الإسلامي –وهماً وحلماً مزعجاً وخيبة أمل وتغريباً وعزلة ولكنها مليئة بالحقائق الحية النابضة مشرقة بالأمل والرجاء دافئة بالأخوّة والصلات الاجتماعية السامية ، ومهمة المسلم أن ينير جنباتها المظلمة وأن يبعث فيها رسالة العدل و الخير والحرية والسعادة ، وعلى المؤمن أن يطرب للقاء الله في نهاية الرحلة واثقاً أنه ذاهب إلى أعظم جناب .


الكاتب: عبد الكريم المحمود
1المفضلة
69 المشاهدات
0 تعليقات