• مدينة الصمت

    مدينة الصمت.. قصة قصبرة - سعود آل سمرة ذات مرة كنت نائمًا، نمت لأنني تعبت من البحث عن قطة بيضاء في تلك الحجرة المبهمة، بحثت عنها وأنا على يقين بعدم وجودها، غشيت وحيدًا قبل أن يُفتح باب الأحلام باتساع الأفق، انداح إلي النور واسعا عند أول افتتاحه، من الخارج إلى الظلمة التي كنت فيها، أسفر عالم رهيب، مدينة بيضاء واسعة، شوارعها فسيحة، بيوتها وأسواقها متشابهة، حتى أهلها يتشابهون كأنهم توائم، تماثل عجيب وملبس، لا تستطيع أن تميز فيه، بين رجل ورجل ولا امرأة وأخرى. أرى في وسط البلدة مجمع واحد، يحيط بساحة دائرية، يقبع في منتصفها تمثال، منحوت من حجر بلون رمادي، شاخص عملاق، يبدو من شكل التعبير الموسوم على وجهه ووضعية يديه، كأنه يسأل عن شيء غامض! وهو نفسه صورة طبق الأصل لأي رجل يمشي في الطرقات التي تؤدي جميعها إلى حيث يقف، كان يرتدي ثوبًا فضفاضًا بنفس نمط الثياب التي يتزيا بها جميع الذكور والإناث هنا، هؤلاء القوم لا يميّز بين أزيائهم إلا اللون، إذ يختار النسوة الأصفر بينما يتزين الرجال بالأحمر، وشارب التمثال كثيف يعلو لحية بيضاء، على نفس نمط لحا وشوارب ترتسم في وجوه كل جنس الذكور في المكان، وجوه قمحية يابسة مغذاه بسمرة، بخلاف ألوان بشرة النساء لأنها أحسن وأصفى، إذ تنبعث من ملامحهن حياة نشطة، ومسحة وضاءة أنثوية، لي أن أقول أن لهن مذاق مختلف، فيهن شيء من اللطف الجذاب، ويا لحسن عيونهن المزينة بالحور ورموشهن الهدب، كان هذا يخفف بعض اللبس، نتيجة المسحة المتشابهة، كن يثرين المكان بوجودهن، نسوة مليحات، شهيّات، يلهين القلب ويسلبنه، يبدين طرافة وطلاوة ورقة ويالروعة روائحهن الزكية، هن هكذا بدون أن يتعطرن عطرات. المدينة مبنية من حجر مقطوع بعناية فائقة، كل لبنة في البناءات والأرصفة والطرق قطع بنفس المقاس، وهو تقريبًا بنفس اللون الأبيض المطعم بعروق وردية، حتى أن هندسة الدكاكين متشابهة، نفس المساحات، ذات الغرف، حتى البضائع في كل محل لا تختلف عن غيرها في دكان آخر، أجد الملحمة التي في أول الشارع هي نفسها التي تطل على الميدان، مما شككني في حالتي العقلية، تمامًا السكين والخاتم في يد البائع هنا، وشكل وجهه، والبضاعة على نفس الرفوف والموازين، وسلاسل التعليق، صورة طبق الأصل لما شاهدته في المحل الآخر، هذا جعلني أقف قليلًا أتفقد محتوى ذاكرتي، قبل أن أتساءل عن وسائل النقل التي لم أرها، لا سيارات ولا قطارات ولم ألحظ أي حيوانات، حين كنت أتأمل بعض العربات الصغيرة يجرها أفراد من البشر. في هذا المكان لا أحد يشارك الآخر أشياءه ولا أفكاره، كل منشغل بنفسه، لم أر اثنين يتشاركان حديثًا ثنائيًا، الجميع يسير في طريقه دون أن يلتفت، يلج دكانًا إن أراد ليبتاع منه حاجة وينطلق في سبيله، في البداية ابتسمت عند بائع في كشك سجائر، في محاولة لجره إلى محادثة ما، لكن كان علي التوقف عن مشروعي حين اكفهر بوجهٍ مريب، كانت ملامح صارمة، كل عرق وندبة وغمازة وملمح في وجهه قال لي: اصه لا تقل شيئًا في مدينة الصمت، لم يبدِ عندما اكفهر أنيابًا تقطر دمًا، بل شعرت أنه قاب قوسين أو أدنى من هذا الفعل، وخفت أن يفسد علي بقية حلمي. مضى الليل أتجول بين الدروب، أدلف بقرب التمثال، بعد أن اختفى الناس، لم أجد من أسأله عن الرغبة المحشوة في نفسي، بالفعل كانت هناك لهفة حارة، تهتز في رئتي، إذ كنت أشعر بحاجة لابتسامة، تنفجر لي أنا وحدي، من وجه مليحة، تريد أن تسألني، عن أفضل لحظة أذكرها، وعن علامة استفهام غبية انبثقت ذات ولعٍ من فنجان قهوة كان لي، أسير صامتًا لم يذكرني أحدهم باليد الكريمة، التي ناولتني قطعة سكر، تحلية ليومٍ مر، من سنة جدب شديدة الوطأة، ومن يسألني، عن حبي لرواية ليالي ألف ليلة الأخيرة، التي ابتكرها نجيب محفوظ. ظل الصمت متصلا، تمضي فيه ليلتي الحلمية بما لا تشتهي نفسي. ليسدل الحلم ستارته في النهاية، يسلمني للوعي، فوجدتني ممتعضًا، أكاد أختنق، كانت هناك دمعة ساخنة، مقهورة توشك أن تندلق..

    الكاتب: سعود آل سمرة

    0المفضلة

    32 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من سعود آل سمرة

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مدينة الصمت

    المزيد من سعود آل سمرة

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة