• في عزاء الأعزاء

    العادة تقول أنه حينما تحاول أن تتجاوز شخصًا عزيزًا بحيث يصبح لا وجود له في عالمك، يُخيَّل إليك أنّ قطْع كل الحبال والصِّلات به كافٍ لفعل ذلك، فيوحى للمرء أن يزحف على بقايا آثار محبوبه كي يمحو ويطمس منها ما استطاع، ويهرع إلى الأبواب والنوافذ التي تطل عليه فيوصّدها بإحكام، لكنه يفاجأ بعد ذلك أنه لم يتجاوز منه شيء ولم ينس له شيء، بل لم يزده الوقوف على الآثار إلا مناجاة المشاعر القديمة وتوثيق الذكريات والأحلام العتيقة. الأعزاء لا يُنسوا هكذا، الأعزاء يعيشون معنا للأبد.. حتى وإن محونا آثارهم وغلَّقنا الأبواب عنهم، لأنهم قبلًا مزجوا أرواحهم بأرواحنا، وربطوا بقلوبهم على قلوبنا، وخضبوا بعظيم أفكارهم وضيع أفكارنا.. وهذا ما يجعلهم أعزاء، أنهم منحونا من أنفسهم أشياء لا نستطيع التخلص منها.. منحونا ماهيتنا التي نحن عليها الآن. والحل الوحيد للتخلص من وجودهم هو كرههم، أي جحود ما فعلوه لنا، أي كره جزء منا، أي موت شيء فينا، أي تشويه أنفسنا .. ولكن الحق فيهم أن نحفظ وُدَّهم، ونُحسن ذِكرَهم، ونشكر وجودَهم، ونهذِّب مشاعرنا تجاههم لتكون في أنقى صورها وأطهر معانيها، ثم ليكن من قدر الله ما شاء من البعد أو القرب، من الشقاء أو الهناء، من العذاب أو النعماء.. واعلم -أيها العزيز- أن عدالة الحق نافذة لا محالة، وحسب المرء من العدل أن يُعذَّب بقدر ما عذَّب، حتى في الحب. ١٢ أكتوبر ٢٠٢١

    الكاتب: إسلام البهنساوي

    1المفضلة

    245 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من إسلام البهنساوي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • في عزاء الأعزاء