• القماش الأبيض يغطي المدينة

    زارنا القماش الأبيض هذه السنة في غير وقته وزمانه... شعشعَ فوق أغصان الشجر وتحت المباني وعلى الأرصفة... أحتل المكان وطرد سكانهُ... وتلبّد وتمسّك بحقه في الأرض وقال أنا صاحبُها قبل صاحِبها... وكشّر عن أنيابه الباردة... وكان هو كأنه لوحدة وكأن الأرض قبله خاوية... ورفض الخروج وقاطع كل محاولة لتذويبه... حتى أشعة الشمس تواطأت معه... والريح كانت بقوتها تثبتُهُ... والليل الطويل وفّر له السكون والاختفاء والتدبير لغدٍ قارس... حتى الأشجار، وهم أهل الأرض الأوليين وأقدمهم سناً وقدراً، يقول أحدهم أن الشجرة الأولى لا نعرف مكانها ولكنها ما زالت حتى الآن تمدُ كل الأشجار بجذورها وعروقِها وتغذيهم، وكانت الأشجارُ صامتةً لا صوت لها... صحيح أنها ثابتة في قِلاعها ولا ينزعُها الشتاءُ القارسُ ولا الحرُ القارضُ... ولكن صمتها يقتلني، تحدثي حتى أيتها الأشجار حتى لنعرف الحقيقة... وبين الأشجار وغصونها المتهالكة تعيش التفاصيل كُلها. هذا كان حديثي بالأمس بعد العاصفة الثلجية في الساعة الواحدة فجراً، كنتُ على السرير أتقلب ذات اليمين وذات الشمال، وشرشفي باسطٌ أطرافَهُ على السريرِ والظلام أسدلَ سكونه كدخانٍ أسودٍ يغطي السماءَ... وضاق المكان، وتقطّع نفسي واختنقتُ من الظلام... فقمتُ من مكاني، ورميتُ الشرشفَ في الهواءِ وطارَ دخان الليل وظلامه، وهرعتُ أفتح النوافذَ، وأخرجتُ رأسي من باب النافذة واستنشقت الهواء بقوة حتى انتفخت رئتاي، وكانت السماءُ صافيةً وصوتُ الهدوءِ ارخى بظلالهِ على الحيّ... السكونُ الذي نبحث عنه لا نجده إلا في أصعب الأوقات وأظلمها، وكان جسدي كلهُ خارجَ النافذة يبحث عن نورِ السماء... ولم تكن العاصفةُ الثلجيةُ قد بدأت، حتى أن عُدت الى مضجعي المتواضع وإذ بصوت قرقعة مُقبلة من آخر المدينة تجري كأنها تريد أن تدخل من نافذتي، وصاح الديك مُبكراً هذه المرة كأنه جهاز إنذار... وتجمعت الغربان فوق بيتي في دائرة كبيرة متصلة بالسماء، ودوائر صغيرة متصلة بالأرض يربطها نعيق الغراب الأكبر وهو القائد لهم، وقد جرّهم في هذا الليل من وكرِهم في الأشجارِ والأغصانِ الى الهواء الطلق، لا أعلم ما السبب فأنا لا أعرف لغة الغربان، ولا حتى لغة الفئران... وغطّت الغيومُ نصف وجه القمر فكأنه وجهُ حسناءَ عربيةً تلثمت في جُلبابها وأبقت على هدب عيناها تتموجُ بجمال ضوئها الخلابُ وترنحت في مشيتها بين أديم الغيوم... ما أجمل منتصف القمر! فلا أدري أيُ نصفٍ من القمر هو الأجمل؟ لم أغلق النوافذ ووقفت بجوارها أتفحص المنظر وأرى كيف تبدأ العواصف وكيف تنتهي... ولماذا صاحت الغربانُ، هناك عاصفة هناك عاصفة! وفهمتها رغم أنني لا أتحدث لغتهم... وفي زاوية النافذة شبكة عنكبوت مُحصنة من كل جانب... ولم أسمع أو أرى انساناً واحداً في تلك الساعة... هم في أحلامهم الدافئة... يسرحون في عالمهم، تربطهم بنا أحبالٌ طويلة وسخيفة... ولا يريدون أن يستيقظوا فحلمُ اليقظة أصعب من حِلم السُبات... حتى الديك يصيح لأنه اعتاد الصياحَ ولكنهُ لا يريد أن يوقظَ أحد... سمعت جرس باب شقتي يرن... فتحت الباب... هل أيقظك الديك؟ قلتُ لا! هل أيقظك أنت الديك؟ قال لا! في لحظة صمت غريبة... تبسمت له وتبسم لي... كان يرتدي ملابسه الداخلية لعلها ملابس للنوم، يسكن في الطابق الثاني وانا اسكن في الطابق السادس... لم نتحدث مع بعضنا البعض في حياتنا قط، كان جُل لقاءاتنا العابرة عند مدخل العمارة لا تتعدى بعض التحيات التي نرددها بشكل تلقائي كالديك نصيح بصباح الخير ومساء الخير! وكيف حالك؟ انا بخير! وليلة سعيدة... ويوم سعيد... لا أعرف اسمه، وربما أنه لا يعرف اسمي... ولكني أعرف اسم كلبه الصغير اسمه (مانتو)، أسمعه يناديه دوماً كل مُساء ...ولكنني لم أسمع أن الكلب ناداه بإسمه... لم أسأله عن اسمه ووقفت أمامه متكئاً على الباب... وهو يتبسم وكأنه لا يعرف لماذا هو هنا... لحظة صمت فيها بعض هزهزة الرأس كناية على انتهاء المحادثة... حسناً! أعتقد أن هناك عاصفة قادمة... قلت ربما! يجب أن نوصد النوافذ جيداً ولعلها تكون العاصفة الأخيرة لهذا الشتاء... تمتمَ ببعض الكلمات لم أفهمها! لعله يتحدث لغة الغربان؟ ممممم نعم ربما ... لا أعتقد ولكن قد تكون قبل الأخيرة... الوقت متأخر كما تعلم وأنا أريدُ أن أغلق النوافذ قبل أن تلتهمنا العاصفة على حين غرة من أمرنا... بالطبع... قالها وهو يبتسم... وكانت ابتسامته غريبة وعجيبة... وأغلقت الباب وذهب صاحب الكلب (مانتو).. أسمع خطواته على لدرج... هل هو نازلٌ للدور الخامس أم صاعدٌ للدور السابع؟ أغلقت جميع النوافذ... في وقت قياسي... رتبتُ سريري المبعثر... ولم أقتل العنكبوت ولم أخرب شبكته... وتوقفت الغربان عن النعيق... وأغلق الديك مذياعهُ، ووصلت العاصفة بهدوئها وثوبها الأبيض الناصع البياض... ووقعت العاصفة ببطيءٍ فوق المباني والأشجار ونزلت برداً وسلاماً على الأرض... وكان وصولها مع بزوغ أشعة الشمس في الصباح الباكر... وتعانق نورُ الشمس برذاذ الثلجِ فكأنه قُطن مصريٌ قد تشبّعَ بماءِ النيلِ... وصوت الريحِ يضربُ بنغماتهِ على أوتارِ غصونِ الأشجارِ فيخلُق لنا نغمةً شتويةً جميلةً... لم يسمعها أحد قبلي قطْ ولن يسمعها بعدي أحدٌ ابدا... وخرجتُ اتحسسُ عن قُطن السماء وكنتُ وحدي في الطبيعة... أنا والثلج والشمس والأرض والأشجار وسنجابٌ تائهٌ يبحث عن أهلهِ والريحُ الصباحيةُ البريئة تُعانقني وأنا لم أكن أعانقها... اللحظات الجميلة لا تدوم للأبد... خرج الانسان، مُدمر الطبيعة والمحافظ عليها في آنٍ واحد من بيته وبدأ مشروعهُ اليومي... يلّوثُ كلَ بقعةٍ بيضاءَ يدهسُها... القطنُ الثلجيُ المصريُ يصبح بعد أن يلمسه الانسانَ مشوههٌ وخشِنٌ ومكسّرَ الأطرافِ... غصونُ الأشجارِ تتكسرُ من حولهِ، والشمسُ تتموج أشعتها تجنباً لتلّوث الهواء... ويموت على الطريق كل صباح عشرين سنجاباً دهساً تحت عجلات السيارات... وتُقطّع كل صباح ألف شجرة فيموت بسببها آلماً نصف الأرض... وصراخ وهيجاء وضحك ووجع وآلمٌ وسعادةٌ وضباب وتختفي بين صراخات البشر العالية جمال الطبيعة... وفي الليل يعود الديك يصرخ والغربان تنعق والعنكبوت يرمم شبكته ويوسعها... وأنا أفتح النوافذ وأخرج رأسي وأستنشق الهواء الطلق الجديد وأقول في نفسي لعل الغد يكون يوماً جديد... ويكون الغد مثل الأمس.

    الكاتب: فيصل

    1المفضلة

    73 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    story 

التعليقات (0)

المزيد من فيصل

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • القماش الأبيض يغطي المدينة

    المزيد من فيصل

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة