الغريب عازف الناي
Oct 26, 2021 12:22 PM Oct 26, 2021 12:22 PM
كنا صغارا، نحب الليل ونخافه، لأن جدتي تحكي لنا قصصا جميلة بعضها مخيف، كنا نختبئ بين طيَّات ملابسها ودفء تجاعيد وجهها وكفيها، وهي ترش علينا توابل الأساطير وقصص ألف ليلة وليلة. حتى كانت ليلة حارة همد فيها النسيم، ولم يفلح رش الماء أمام باب الدار في ترطيب الجو، عندما تنهدت جدتي بعمق، ثم قصت علينا قصة الغريب عازف الناي. قالت: كان نحيلا طويلا، جاء في صمت ليسكن البناية الجديدة، آنذاك، وسط مدينتنا الريفية الصغيرة، التي نعرف كل صغير وكبير فيها حتى سابع جد. ذلك الغريب الذي لم تره مدينتنا من قبل. كان يوما عاديا، عندما رأى الناس سيارة كبيرة تتوقف أمام البناية التي لم يعلموا لها مالكا طوال شهور بنائها. وشمس الظهيرة قاسية، تجفف الماء المرشوش أمام المقهى الكبير المواجه للبناية. رآه الناس ينزل من السيارة ثم يفتح باب البناية ويغيب داخلها، بينما ينقل السائق حقائب وصناديق كثيرة، تبدو ثقيلة، إلى الداخل. حاول البعض المساعدة صادقا، والبعض من باب الفضول، لكن السائق رفض في تهذيب، شاكرا حسن أخلاقهم، حتى انتهى ورحل. في الليل ألقى الجميع دلائهم في بئر التكهنات، وهم جلوس حول الأراجيل والمشروبات الساخنة والباردة، ينفثون الدخان وينظرون إلى الإضائة المتسللة على استحياء من خصاص نوافذ الطابق الأول. البعض اتفق على أنه، لا بد، مالك البناية المجهول، لكن فريقا آخر قال أنه، ربما، مجرد ساكن جاء من مدينة قريبة. ولأن المدن الصغيرة رتيبة لا يجرح سطحها حدث، إلا ما ندر، ظلت التكهنات تلتصق بكراسي المقهى وصدور رواده ليلة بعد ليلة، خاصة والرجل لم يخالط أحدا، ولم يجلس على المقهى، أو يظهر في شرفة أو نافذة، أو رآه أحد في الصباح ذاهبا إلى عمل ما. ذات ليلة بينما يلوك الجميع سيرة الغريب، كالعادة، قال أحد الظرفاء: الرجل لا يظهر أبدا وكأنه راهب في صحراء ليس فيها إلا الرياح تخمش الرمال وتحركها، لا بد أنه (مخاوي جن)، وهو يعلم بكل ما يدور بيننا الآن. ضحك البعض طويلا على هذا الكلام، ورغم ذلك صار هذا احتمالا جديدا يضاف إلى حديثهم وظنونهم. وليالي المقاهي تكنس الحكايات المكررة آخر الليل، وتجددها، ولا يقين يستقر في الصدور. حتى كانت ليلة من ليالي الصيف، مثل هذه الليلة، همد فيها الهواء، فأخرج الرجال كراسي أكثر خارج المقهى، وتركت النساء الشبابيك وأبواب الشرفات مفتوحة، علَّ نسمة تخفف الصهد المتخثر فوق أنفاسهم. ليلة كادت تمر عادية، حتى انتشر صوت الناي، وكأنه آت من كل مكان ولا مكان. تسرب الصوت هامسا في البداية فلم يشعر به أحد، ومع الوقت بدأ يلفهم ويرتديهم ويتغلغل فيهم ببطء، فسمعوه فجأة، وقد خفت ضجيجهم وتراخت كلماتهم. نغمات حزينة وكأنها تخرج من أعماق كل واحد فيهم، وتطفو معها أحزان مخبأة بمهارة وسط ضحكات تفننوا في ارتدائها منذ زمن طويل. أثملتهم النغمات، وشعروا أنهم خارج الزمان والمكان، حركاتهم بطيئة، يخافون خدش الحالة النفسية التي تلفهم. الأطفال وحدهم من انتصر الفضول عندهم على كل شيء، فتحركوا يتسمعون الصوت ويحاولون تحديد مكانه، حتى وصلوا إلى وسط المدينة، أمام المقهى، الذي بدا رواده كأنهم في حالة ذهول جماعي. وهناك في شرفة الغريب، رأوه جالسا وقد انصهر مع الناي في لحنه الطويل العجيب، يضيء البدر وجهه لهم. خيال الأطفال، أو ربما لم يكن خيالا، جعلهم يقصون على أهاليهم فيما بعد عن الوجه الحزين الذي نظر إليهم من البدر المعلق في السماء، والفراشات الملونة التي كانت ترتفع من طرف الناي إلى السماء. كانت ليلة صيفية عادية ستنضم إلى باقي الليالي التي ألفوها، حتى أخذها الغريب منهم ووضع مكانها لحنا لم يفارق قلوبهم أبدا. لم يعلم أحد ما الذي حدث تلك الليلة، فالكل استيقظ صباحا مندهشا من وجوده في فراشه. لا الرجال ولا النساء ولا الأطفال كان يعرف كيف حدث ذلك. صمتت جدتي وتنهدت من جديد تنهيدة طويلة، وعندما حثثناها على المتابعة، قالت بحزن: كنت طفلة وقتها، ورأيت الرجال يذهبون إلى بناية الغريب غاضبين وقد أجمعوا على كشف سره، وفهم ما صنعه بهم. لكن أحدا لم يجبهم من داخل البناية، فكسروا الباب الكبير، وباب الشقة في الطابق الأول، ليجدوها خالية إلا من صناديق مليئة بالكتب. حاولوا مع الطوابق الباقية، فوجدوها خالية أيضا. ومع الأيام حاولوا تناسي ما حدث، رغم نظراتهم يوميا إلى البناية، ربما دلهم ضوء شارد إلى عودة الغريب. الأطفال فقط هم من ظلوا يرسمون فراشات ملونة على كل شيء، وكأنهم يحتفون به. سوهاج 4-10-2019


الكاتب: محمد محمود عبد الغني
0المفضلة
72 المشاهدات
0 تعليقات