• مقهى على الناصيه

    في ذلك المكان وتلك المقاعد وقرقعة وهسهسة آلة القهوه وكأن كل شيء يشبه روتين شخص مصاب بالتوحد، روتين لايقبل التغيير. يحتسي قهوته وينصت إلى ماتستطيع أذناه التقاطه ويشاهد ماتستطيع عيناه رؤيته. سيارات عابره ومطر ينهمر، وماء ينسكب من فتحة تصريف مياه سقف المبنى العتيق الملتصق بالمقهى. يلتقط أنفاسه من سيجارته وينفث شيئاً من همومه. سيارات عابره لاتنتهي تدوس على ماء المطر محدثة صوتاً مألوفاً يشبه حديثاً من شخص عزيز يحاول تخفيف همومه، لا يحكم عليه أو يؤنبه. تبدأ اذناه بالتقاط صوت مألوف طالما كان يسمعه، هدير خطواتها مثل موج البحر في فصل الخريف على رغم حدة كعبها وارتفاعه. تقترب أكثر من خلفه ناحية اليسار بالقرب من حافة الرصيف. يميل برأسه ممسكاً كوبه مثل من يتمسك برأيه. يرفعه ليرتشف منه في لحظة وصولها مجال بصر عينه اليسرى. تجلس بدون القاء التحيه. يومئ برأسه لمقدم الطلبات ليحضر مشروبها المعتاد إلى طاولتهما المعتاده. يقترب فجأة ازيز طائره تعبر سماء المقهى لتضفي شيئاً من ماضيهما، حب مضى وبقي رفاته فيهما وكأنه جثه حُرقت ونُثرت من أعالي جبال ذكرياتهما. يختفي الأزيز فجأة مثلما حلّ فجأة. تأخذ كوبه من يده بدون مقاومة منه وتأخذ رشفة وكأنه يتنازل عن رأيه. في لحظة مرور دراجه ناريه وصوتها المرتفع مؤخرة بداية الحديث ومعطية للإثنين فرصة البحث عن بداية للكلام، تضع الكوب في المنتصف وكأنها ترضى بأنصاف الحلول وأن يتجاوزا ماكان بينهما ومازال كائناً فيها ولاسبيل للتخلص منه، فالمطر والمقهى والهواء وكل شيء يتكرر في كل مكان ليستحيل معها الهروب والنسيان. تخف حركة مرور السيارات ويبقى الماء من فتحة تصريف مياه سقف المبنى المجاور ينسكب وكأنه ينبوع لاينضب أو علاقة لن تنتهي. يصل كوبها المعتاد من مقدم الطلبات المعتاد. تضم كوبها بكلتا يديها مثلما كانت تضم وجنتيه وتعود حركة مرور السيارات كما كانت لتخفي صوتهما من الزبائن حولهما وتحفظ سرهما.

    الكاتب: خالد

    0المفضلة

    49 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    قصة_قصيرة_جداً قصة القصة 

التعليقات (0)

المزيد من خالد

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مقهى على الناصيه

    المزيد من خالد

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة