• ضمير ميت

    ضمير ميت معاذ زكريا خالد - # كم قتلتْ لهذا الشهر؟ # لستُ أدري بالتحديد ، ربما إثنين أو ثلاثة ، بينهم طفل يتيم ، قتلته بالخطأ. # وهل أنت حزينٌ لذلك؟ إطلاقاً ، فأنا كلي يقين أنه لولا حظه العاثر لما مات على يديّ ، لست أنا الملام على قتلته ، قدره المشئوم هو الذي رماه في طريقي ليلاقي حتفه. أحياناً أساعد قتلايّ من حيث لا يدرون ، فعندما أقتلُ فقيراً يقاسي صعوبات الحياة ، أو مسكيناً لا يقوى على حمل سكيناً إذا أضطر لحملها للدفاع عن نفسه ، فأنا هنا أخلصهم من عذاباتٍ شتى ، ربما يكونوا غير مستعدين لمواجهتها ، إذ كيف لفقير أن يحيى بشرف وكرامة في زمنٍ أصبح كل شيء فيه بثمن نسأل الله السلامة ، وكيف لشخص مسكين أن يعيش في غابة مهجورة كالتي نعيش فيها الآن ، حيث الصديق يخون صديقه ، والجار لا يرحم جاره ، وحيث الإبن يعُقَ أباه ، عالم مستوحش بشكل لا يُطاق ، تضطر فيه مجموعات الغزلان والحملان لتصارع قطعان ضخمة من الذئاب والكلاب من أجل البقاء. وأنا يا صديقي العزيز حتى عندما أقتل الأشرار من الناس ، لإاني أساعدهم أيضاً ، إذ أخلصهم من شرور أنفسهم وأخلصُ الناس من شرورهم مرة واحدة وإلى الأبد. أتذكر عندما قتلتُ ذلك التاجر الجشع ، كم أكرههُ بكرشه المهتريء ونفسه التي لا تشبع ، كان يمتص دم الغلابة كما يمتص مصاصو الدماء دماء البشر. أتذكر أيضاً مقتل ذلك الشاب الذي تسبب في معاناة أسرة بكاملها ، عندما أقام علاقة غير شرعية بفتاة من الحي المجاور ، وعندما حملت الفتاة منه تخلى عنها كما يتخلى جندي خائن عن رفاقه في المعركة دون أن يشعر للحظة بوخز الضمير ، فما كان من الفتاة إلا أن تجرعت كمية كبيرة من السُم فماتت ومات معها جنينها الذي أكمل الثلاثة أشهر لتوه ، حتى لا تلحق العار بأهلها ، فماتت الفتاة المسكينة وهي في ريعان شبابها ، وماتت أمها من بعدها حزناً وكمداً عليها وعلى شبابها الضائع. أعتقد أن البشرية ميدنة ليّ بالشكر والعرفان على أعمالي وعلى محاولاتي الحثيثة لجعل العالم مكاناً أفضل للعيش والحياة ، لا تكن يا صديقي العزيز جاحداً مثلهم ، بل يجب أن تشكرني على ما فعلت ، ألم أخلص الناس من كل هذه الشرور؟ لا أنكر وقوع بعض الأخطاء والتجاوزات هنا وهناك ، فالأعمال العظيمة لابد فيها من تجاوزات صغيرة ، لنأخذ مثلاً سور الصين العظيم ، إستغرق بناءه مئات السنين ، ولكن يا تُرى كم شخصاً لقى حتفه في سبيل إتمام هذا العمل الرائع؟. أحياناً يا ضميري العزيز يموت من لا أتمنى موته ، يموت على يديّ عن طريق الخطأ ، أنت تعلم أني أحبُ أن أنجز عملي على الوجه الأكمل ، وأن لا أخلف ورائي أي أثر ، وقد يحدث أن يراني من لا يُفترض أن يراني وقتها ، فأضطر لقتله حتى لا يتكلم الكلاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااام أفة الناس الكبرى هي الكلام ، لو أن الناس ترى وتشاهد ثم تصمت لتغيرت أشياء كثيرة ، ولو قتلتْ شخصاً واحداً لما كنتُ مضطراً لأقتل إثنين أو ثلاثة غيره أوقعهم القدر في طريقي أو أوقعني أنا في طريقهم ، لا يهم ، فالنتيجة واحدة. # دعني أسألك عن عدد قتلاك حتى الآن؟ لا أعلم على وجه الدقة ، ربما جاوز المائة أو المائة وعشرون ، من يأبهُ لذلك ، ما دمتُ أتقاضى أجري كاملاً مقابل ما أقوم به فلماذا إذن أهتم؟. # هل تذكر يا ضميري العزيز أول قتيلٍ لنا؟ # ماذا قلتْ؟ لنا! لماذا تريد أن تقحمني في جرائمك؟ فأنا على عكسك تماماً لم أحمل سكيناً ولم أسفك دماً. # حسناً ، دعك من هذا ، كان قتيلنا شابا في مقتبل العمر ، وسيم وسامة ممثلي السينما ، فارع القوام ، لو قيل ليّ أن من ستقتله إمراة ، لقلت ربما ترددت في قتله أو ربما وقعت في حبه بدل قتله ، أما أنا فلا أهتم لكل ذلك ، فالدرس الذي تعلمته طوال سنوات عملي في هذه المهنة اللعينة أن لا أستكثر أحداً على القتل ، مادمتُ سأتقاضى أجراً أكثر ، فالناس جميعاً سيموتون ، ومن لم يمت قتلاً ، مات حرقاً أو غرقاً أو نال منه المرض حتى يتركه جثة هامدة ، ومن لم يمت على يدايّ ، ربما مات على أيدي غيري. أذكر أن ذلك الشاب ظل يتفرس ملامح وجهي طويلاً ، لقد لاحظت بالممارسة الطويلة أن كثير من قتلايّ وهم في سكرات الموت ينازعون خروج الروح ، كثيراً ما يمعنون النظر في وجهي ، لا أعلم ما السر وراء هذا الأمر ، ولا أفهم هذا الإصرار العجيب على معرفة هوية القاتل ، أو رؤية وجهه ، فما الفائدة من كل هذا ما دام الموت هو النهاية المحققة لك! ، أحياناً ينتابني إحساس غريب بأن أول شئ سيفعلونه عندما تصعد أرواحهم إلى السماء أنهم سيقومون برسم صورة تقريبية لوجهي حتى يقتص الله لهم مني. لا زلتُ أذكر تأوهات ذلك الشاب وتوسلاته ليّ أن لا أقتله ، لأنه المُعيل الوحيد لأمه العجوز ، وقتها كنت أنت يا ضميري العزيز في غاية التوهج والخفقان ، أذكر عندما عدنا إلى المنزل بعد إتمام المهمة قدمتْ لي محاضرة طويلة عن المُثل والأخلاق ، وأنك خطبتْ فيّ خطبتك العصماء حول الخير والشر وما كنت تسميه بالقيم الإنسانية النبيلة. لكنك يا صديقي العزيز أصبحت الآن تركنُ إلىّ شيئاً قليلا ، تميل لكفتي وتصًغي إليّ أكثر مما أًصغي أنا إليك ، أصبحتْ أنت من تسمعُ محاضراتي عن أهمية المال والقوم في عالمنا هذا ، أصبحتُ أنا الأستاذ وأنت يا ضميري العزيز التلميذ! # لعلك كنت محقاً فيما قلت ، فقد قتلتني بيديك هاتين منذ أمد بعيد ، مع كل قتيل كنت أنت تقتله ، كنتْ تقتلني معه ، مع كل جرعة عذاب كنت تذيقها إياه ، كنتُ أتجرعها معه ، أنت تقتل وأنا من يدفع الثمن ،حتى أصبحتُ الآن مثلك تماماً لا أكترث لجرائمك وأفعالك ، أصبحنا سيان يا رفيقي اللئيم ، كائنان متجردان من كل شئ يمتُ للإنسانية بصلة. لكنك يا رفيقي حتماً ستدفع الثمن ، وأخشى أن هذا الثمن سيكون باهظاً جداً ، لدرجة أنك لن تستطيع تحمل تكلفته ، ثمناً سيضع حداً لحياتك الآثمة مرة واحدة وإلى الأبد. فمن يقتل تحلُ عليه لعنات الآلهة ملعونٌ في التوراة وفي القراءن وفي الإنجيل من يقتل إنساناً دون سبيل بين أن تقتُل أو تُقتل قلّ ليّ بربك لماذا إخترتْ أن تكون قابيل؟ # أتعلم يا صديقي العزيز أنني لطالما راودتني كوابيس مختلفة عن موتي ونهايتي ، يمكنني أن أوكد لك أن كل هذه الكوابيس وإن أختلفت في تفاصيلها إلا أنها جميعاً تتفق في سوداويتها ، أشعر أن نهايتي ستكون مأساويةلأبعد حد ، لكن حتى تاتي هذه النهاية اللعينة سأواصل ما أُتقنه أكثر من أي شئ آخر ، القتل ولا شئ سوى القتل. أحياناً أعتقد يا صديقي العزيز أن الناس فئتين ، فئة خُلقت لتقتل ، وفئة خُلقت لتُقتل ، وأنا إخترتُ أن أكون من الفئة الأولى. حسناً ، كفانا حديثاً لهذا اليوم ، ودعنا نخلُد للنوم ، فأمامنا الكثير لننجزه غداً.

    الكاتب: معاذ زكريا خالد

    0المفضلة

    36 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    ضمير 

التعليقات (0)

المزيد من معاذ زكريا خالد

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • ضمير ميت