• مأساة شاعر

    مأساة شاعر معاذ زكريا خالد ذات نهارٍ شتويٍ جميل ، جاء الطفل (عابد) لأمه وهو يهرول من شدة الفرح ، وكان قد كتب بعضُ كلماتٍ مقفاة ، وخُيل إليه أنها شعرا ، ولكنها كانت محاولةً لا بأس بها لطفل في مثل عمره. فرحتَ الأم فرحةً عارمة بما كتب إبنها ، وراحت على الفور تزف الخبر لأختها كنوع من التباهي الذي إعتادت عليه الأختين منذ سنوات طفولتهما المبكرة. لم يُثر النبأ لدى الأخت كبير إهتمام ، وربما تكون قد شعرت بشئٍ من الغيرة تجاه أختها وإبن أختها ، لكون أن إبنها وإبن أختها كانا كفرسي رهان ، كانا يدرسانِ بنفس الفصل وذات المدرسة ، وكانا يتناوبانِ على المركز الأول بالفصل ، تارةً يأتي عابد أولاً ، وتارةً أخرى يسبقه ساجد. كان ساجد من النوع الذي يميل إلى العزلة ، لا يحب الثرثرة ، ولا يميل للإفصاح والتباهي بما لديه من مواهب ، ذات يوم وجده زميله بالفصل وهو يرسم في لوحة لإستاذة مادة الرياضيات ، والتي كانت الأقرب سناً لهم بين باقي أساتذة المدرسة ، وإليها يرجع الفضل في تعلق ساجد وحبه الكبير للأرقام والحسابات عموماً ، فطلب منه زميله أن يذهب باللوحة ويقدمها هدية للأستاذة ، فرفض ، وطلب من زميله أن يتكتم على هذا الأمر ، حتى لا تُكتشف علاقته بالرسم. لم يفترق القريبان إلا في المرحلة الثانوية ، فتم قبول عابد بالمدرسة الجنوبية ، بينما إلتحق ساجد بالمدرسة الشرقية ، وكلتا المدرستانِ نموذجيتانِ ولا يتنسبُ إليهما إلا النوابغ. كان أستاذ اللغة العربية بالصف الثالث في المدرسة الشرقية شخصاً محباً للأدب ، مولعاً باللغة العربية وعلومها ، متمكناً من فصيحها وعاميها ، وكان قد طلب من تلاميذه في بداية العام الدراسي أن يُكتب كل واحد منهم قصةً قصيرةً لا تتعدى الثلاث صفحات ، مع وعد بهديةٍ قيمةٍ لصاحب القصة الأجمل ، ففعل التلاميذ ما طُلب منهم بالضبط. عند إعلان النتيجة ، كان ساجد صاحب القصة الأجمل ، في الواقع كانت القصة التي كتبها ساجد أجمل من قصص زملاءه مجتمعةً ، ولكن الأستاذ كان له وجهة نظرٍ آخرى ، فأعطى الجائزة لمن جاء بعد ساجد في الترتيب ، وأخبر ساجد أن القصة التي كتبها لا بأس بها ، وأن لديه بعض الملاحظات عليها ، وأن بإمكان ساجد الحصول على الدرجات العليا في هذه المادة إذا وفقط إذا كتب له خمسة عشر قصة قصيرة مختلفة وأمهله حتى إنتهاء العام الدراسي. قبل نهاية العام الدراسي ، كان ساجد قد سلم أستاذه خمسة عشر قصة قصيرة تختلف موضوعاتها وتتمايز شخصياتها ولا يجمع بينهما إلا مفردتين ( الجمال و الروعة ) لدرجة جعلت الأستاذ يحتار في إختيار الأجمل من بينها. أخذ الأستاذ هذه القصص ، بالإضافة إلى القصة الأولى التي كتبها ساجد بداية العام الدراسي وشارك بها في مسابقة كانت قد إنعقدت للقصة القصيرة لفئة الشباب ، وكانت المفاجأة التي توقعها الأستاذ هي حصول ساجد على المركز الأول في المسابقة مع إشادة كبيرة من لجنة التحكيم بأعماله (المتفردة). من يومها والعروض تنهال من كبريات دور النشر والتوزيع بالبلاد على الشاب ذو السبعة عشر ربيعاً ، والذي خطى لتوه أولى خطواته مع المجد والشهرة ، اللذين سيرافقانه حتى مماته. هنا تحولت أنظار العائلة من الشاعر (عابد) إلى القاص (ساجد) ، أصبح هو بلا منازع محبوب العائلة ومصدر فخرها ، والشخصية الأثيرة لدى الجد ـ كبير العائلة ، كل هذا وأكثر أثار غضب عابد وأشعل نار الغيرة في قلبه ، نارٌ لا يعرفُ كيف يخمدها أو يُسكت صُوتها. فذهب يشكو لصديق والده ، وهو رجلٌ حكيم ، غير أنه شاعرٌ مُجيدٌ كذلك ، وكان قد تعهد عابد بالرعاية والإهتمام عندما علم بولعه بالشعر ، فكان بمثابة الأب الروحي له إلى جانب كونه صديقه الوفي ، عله يجد عنده بعض السلوى ، أو لعله يجيبه على السؤال الذي حيره كثيرا ، والذي لم يجد عند صديقه جواباً شافياً له ، وكان سؤاله عما أسماه هو تحول الناس من الشعر إلى الرواية والقصة ، ولماذا كل هذا الإهتمام بالروائيين وكاتبي القصص على حساب الشعر والشعراء؟ كم من المهرجانات والمسابقات تُقام للقصة والرواية والرسم في مقابل ما يُقام للشعر؟ أليس الشعر أسبق من كل هذه الفنون؟ أليس صحيحاً أن الشعر قديم قدم اللغة ، بل قدم الإنسانية نفسها ، حتى أن القران العظيم نزل على النبي محمد (ص) ليتحدى به قريش وهم أهل شعرٍ وفصاحة. وبينما الرجل الحكيم يهمُ بالإجابة على هذه الأسئلة ، قاطعه عابد بسيل من الأسئلة وكانت قد تملكته حالة من التوتر والقلق ، لماذا الطيب صالح مع أكيد إحترامنا وتقديرنا له أشهر شخصية أدبية في السودان؟ لماذا لم يصل شاعر سوداني لهذه المكانة الرفيعة ، مع كثرة الشعراء المجيدين والمتميزين في السودان؟ ولماذا ذهبت نوبل العرب اليتيمة في الأدب لشخصية مثل نجيب محفوظ ، ولم تذهب لشاعر عربي آخر ؟ ألا يستحق شاعرٌ مثل أحمد شوقي أو حافظ إبراهيم مثل هذه الجائزة؟ بهدوءه المعتاد ، بدأ الرجل الحكيم موجهاً كلامه إلى (عابد) وهو يهمُ بإشعال سيجارته الثانية ، نحن يا إبني لا نكتبُ الشعر من أجل المجد أو المال أو الشهرة ، نحن نكتبُ الشعر لنعزز القيم الجمالية لدى الناس ، ونسمو بروح الإنسان ونُعلي من ذائقته الفنية ، نكتبُ الشعر لنمنح الناس السلوى والخير والحكمة والأمل ، ونضيء لهم عتمة الطريق ، نكتبُ الشعر لنجمل بالحرف الدنيا ، ونقاوم بالكلمات قبحُ الزمان ، نكتبُ الشهر لنحيا ، فالشعرُ حياة. أما فيما يتعلق بجائزة نوبل ، فربما غاب عنك يا صديقي أن أول جائزة للأدب مُنحت لشاعر هو الفرنسي رينيه سولي برودوم ، وقد فاز بالجائزة متفوقاً على الروائي الروسي الشهير ليو تولستوي. خرج (عابد) من منزل صديق والده ، وهو ما بين مقتنعٍ وغير مقتنع بكلام الرجل الحكيم ، تملكته أحاسيس مختلفة ، ودارت بعقله تساؤلات مختلفة عن الحظ والقدر الذي بحسب رأيه ربما إنحازا لإبن خالته على حسابه هو ، فقرر أن يذهب إلى المكان الذي لطالما كان سبباً في إلهامه الشعري وملامسة مكامن الإبداع بداخله (البحر) ، وهنالك رمى بقصاصات الورق التي كتب عليها أشعاره منذ أول قصيدة كتبها حتى قصيدته الأخيرة ذات الأبعاد الفلسفية والتي أشاد بها كثيراً الرجل الحكيم ، رمى بها ولسان حاله يقول: ( ما جدوى أن نكتب الشعر لأناسٍ لا يعرفون قيمته؟ وما جدوى أن نخاطب به أشخاص لا يفقهون كنهه؟ ، إن مات شعري فلن يموت الشعر ، فالشعر سيبقى ما بقيت الحياة ، لأنه هو الحياة نفسها ).

    الكاتب: معاذ زكريا خالد

    0المفضلة

    48 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    مأساة 

التعليقات (0)

المزيد من معاذ زكريا خالد

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مأساة شاعر