عُملة معدنية صدئة
Jan 2, 2022 05:05 PM Jan 2, 2022 05:05 PM
" عُملة معدنية صدئة " === لا أظن أن عينًا أصابته, فأنا لم أستسلم بعد لترهات الحسد ومن يؤمنون به, لكن بالفعل تغيّر صديقي كثيرًا عن ذي قبل, بل عن بضعة أشهر مضت من قريب,فكنت أتعجّب كلما رأيته, كيف لإمرئ أن يحوز رجاحة عقل,أن يقبض بحكمة على أعصابه فلا تنفلت. صامت فإن تحدّث ملك ناصية اللغة, خاض بموضوعات شائكة تُجبر الحاضرين على الإصغاء, كنت أحد هؤلاء,أميل إليه,أجادله فأجد في الكلام معه متنفّسًا,أعود بنهاية كل لقاء معه إلى بيتي وجيبي يفيض ببقايا حكمته, برؤوس عناوين لقصص وحكايات,أسرع بتدوينها حتى لا تتبخّر. هو طفل كبير وإن اقترب من الأربعين,تطل من عينيه دهشة مستمرة, يعشق الحياة, ,قد رأيته أكثر من مرة يتهيّب عبور إشارة مرور بشارع يخلو من السيارات والمارة, كعادة الأطفال كلما رآني أسرع بفتح ذراعيه, مرحّبًا,يُخرج من جيوبه قطع حلويات مختلفة اللون والطعم, فيوزّعها على من حوله, عادة لم يتخلّ عنها كلما قابلته ,ثم يتصل من جديد حبل الحديث بيننا, لنستأنف ما وقفنا عنده بالمرة الفائتة. أذكر أنه أخبرني ذات مرة أنه كخيل" امرؤ القيس", يُقبل, يُدبر في آن,أنه يجهل المرأة, يراها لُغزًا تستعصي على الحل, وأن الخير كل الخير في الابتعاد عنها, والحياة لا تستقيم بدونها, ثم زمّ شفتيه وأكمل:هي أقرب لمتاهة يخشى ولوجها,أقسم ليّ وقتها أنه سيندم إن دخلها برجله. فقلت: لست مجبرًا على فعل ما لا ترضاه, فلا تفعل, فأصغى باهتمام, ابتسم واستاذن . ذلك عهدي معه حتى شهور خلت,ثم غاب عن بالي بضغط أشياء تدفع المرء بعيدًا,فإن ارتد من جديد وجد تغييرا أصاب هذا أو ذاك, قد أصابت "توبة" هذه الآفة, كغيره من كهول الحيّ,التقيته فوجدته قد كبر في العمر عشرين عامًا على الأقل,توارت البهجة بعينيه, حلّ مكانها شرودًا دائمًا. دعوته لفنجان قهوة بمقهى لا زلت أذهب إليه, فوافق بفتور,فلمّا انتهينا وقَلَبْنا فنجانيّ قهوتنا على وجهيهما, سألته:أراك تغيّرت كثيرًا, لم يُجب, غير أنه أعَاد لفّ " كوفيه " من الصوف حول رقبته,ثم ألقى نظرة فاحصة على قاع فنجانه كأنما يقرأه, ثم وضعه على وجهه مرة أخرى, نهض و ألقى على الطاولة بعض عملات صدئة وانصرف.


الكاتب: محمود حمدون
0المفضلة
49 المشاهدات
0 تعليقات