كلاشينكوف
Jan 2, 2022 05:14 PM Jan 2, 2022 05:14 PM
" كلاشينكوف" ==== كذلك يا "أستاذي العزيز", لا يفلُّ الحديد إلاّ الحديد,ثم أعقبَتْ بضحكة جمعت بين سخرية لاذعة ومرارة حياة أعلم جيدًا أنها تعيشها على الحافة. لم أجد غير أن أطيّب خاطرها, قلت:لا حرج عليك, يمكن التنصّل بسهولة والتراجع, إخبار "العجوز" بأن البيعة خاسرة للطرفين, فالخسارة الأكبر أن تستمرّان فيها للنهاية. قبل ثلاثة أيام هاتفتني بصوتها الرقيق كنَدَى الصُبح, ألقت عليّ سلامها: السلام عليكم, صباح الخير, سعيدة.. كأنما تخيّرني ما شئت منها, تلك عادتها في المداعبة, تعرف جيدًا كيف تتسلل إليّ وتستفتح الحديث كيفما ترغب, فرددت سلامها: صباح الخير . - هل تعرف من أين أشتري بضاعتي؟ فالسوق بعيد,اليوم أنا متعبة, تعلم أنّي أثق برأيك وأميل إليه,دومًا أنزل عند قولك, كما تعرف نقودي حاضرة. كانت حروف مفرادتها تتوالى كطلقات رصاص بندقية " كلاشينكوف" لم تُستخدم من قبل. لطالما تحاشيت عينيها حتى لا يصيبني منها رمش قاتل أو نظرة لا أقوى بحُكم سنّي على مواجهتها. فأشرت عليها بمن أعرف, وصفت لها تاجرة, تجيد ترويج بضاعتها وبيعها بأفضل سع, ماهرة في المساومة, خَبَرَت السوق بسراديبه ومتاهاته,فعَلِمَت منهم الجيد والأقل جودة والأكثر سوءًا. - أتعرفها بصفة شخصية؟ - فأجبتها: نعم, تعاملت معها من قبل, غير أنها,... وقبل أن أسترسل وأفيض, قاطعتني:خلاص اتفقنا, أرسلّ إليّ رقمها الموجود على "واتس آب", سأخبرها حين تردّ عليّ أنيّ من طرفك, ليس لشيء غير أنّي لا أتحدث لغرباء ولا أطيق المجادلة. استأذنَتْ في الانصراف بعدما قالت ليّ باقتضاب: "عايزاك في أمر هام", سأحادثك بشأنه قريبًا.. طاف ببالي طيفها كراقصة باليه لا تكاد تلمس الأرض بأطراف أصابع قدميها تطوّح حقيبتها الوردية اللون في الهواء فترسم لوحة تضيف لها جمالًا فوق ما لا أطيق. ----- اعتلت الشمس كبد السماء مرة ثم مرّات, حتى نسيت ما حدث, سقط من ذاكرتي الأمر بتداعيات أمور أشد وأمرّ, وإن تاقت نفسي لحديثها, لضحكتها الشقية, لرنة الحزن الكامنة خلف كلماتها,لا أخفي مودتي لها, عشقي لسماع صوتها. بمنتصف أول أمس, ليلة شديدة البرودة,أنبأني وميض هاتفي أن ثمة مكالمة وافدة, نظرت شاشته, فوجدت اسمها,كان رنين الهاتف ينساب بضعف شديد, ربما بتأثير موجة الصقيع التي أطبقت على الأنفس, لم تترك كائنًا ما كان إلاّ وأحدثت به أثرًا, لربما لغيرة أصابت " المحمول" من طول حديثنا معًا خلال الفترة الماضية,فأراد أن يضع حدًا لهذا أو يصنع سدّا يمنع فيضان يوشك أن ينهمر! -أهلاً بصاحبة... بصخب رَدّت: "الست دي مجنونة", ورب الكعبة مجنونة , لكن على من!,أنا أجنّ منها, أنا على آخري, رأيت من الدنيا الأعاجيب, ما لا يتحمله العصبة من الرجال,لولا تقديري لك, وأنّي ذهبت إليها من ناحيتك, لكان ليّ معها شأن آخر. أنصتُّ إليها, تركتها تستهلك شحنة الغضب المتكوّمة بداخلها, الحق أن غضبها كان دون حد, لم أشهده من قبل, غير أن له حسنة وحيدة,أنه أشاع بيني وبينها جوًّا من دفء أغاظ الصقيع المحيط بيّ, فانزاح للوراء يلملم بقاياه وهو يلعن الهواتف الحديثة والتقنيات ومن لفّ لفّهما, رمقته بطرف, ثم عُدت إليها, فلمّا هدأت قليلًا, قلت: من فضلك يا " حاجة" أخبريني بما حدث, لكن بهدوء. فانفجرت ضاحكة : " حاجة"! , "يسمع من بقك ربنا", ثم تداركت الأمر: يا أستاذي" مبروم على مبروم ..." عارف المثل ؟! فأجبتها: أعرفه بالطبع, لكن سألتك ,ماذا حدث بينك وبين العجوز , حتى تثوري هذه الثورة ؟! فتمهّلت في الرد دقيقة, حسبتها تعيد هندام ملابسها, تحكم سيطرتها على ضفيرة شعر طويلة تسلّلت من تحت " طرحتها" حتى كادت تلامس الأرض خلف ظهرها,تخّيلت أنها تنهر الضفيرة, تعنّفها,فتريثت أن أقاطعها في خلوتها مع نصف جمالها, الذي لم أره حتى الآن رأي العين.. أخرجتني من شرودي بقولها: أما زلت معيّ على الخط ؟! فضحكتُ,أجبتها: مع من إذن أيتها المجنونة!أكملي. سَرَدَت تفاصيل كثيرة جرت بينها وبين البائعة, عن: تكبّر أصاب العجوز في أواخر عُمرها, صَلَف يتغلغل كلامها, إصرارها أنها لا تبيع بغرض المكسب والربح, بل ترفّقًا بالمشترين الغلابة, أنها على وشك غلق دكّنها وتصفية نشاطها التجاري, فقد سأمت التعامل مع رعاع الناس... قلت وقد ساءني ما سمعت: أعتذر بشدة, وأرفع عنك حرج الموقف, صاحب المال يشتري بضاعته من أي مكان شاء, فمن تصرّف في ماله ما ظلم أحدًا,قد حاولت لفت نظرك من قبل, أن لتلك السيدة محاسنًا قليلة, بعض عيوبها تطغى بشدة حتى تتبخر جوارها أي فضيلة. وما أشرت عليك بها,إلاّ لعلمي أنها تفترش بضاعتها بميدان " المبيضة", بينك وبينها مسافة غير بعيدة,للجار حق على الجار,لكنها كما أخبرتك,حادة الطبع,يأس منها الزمن فأصبح يدور حولها دون أن يجد لها منفذًا,غير أن بضاعتها حاضرة نَديّة, يُقبل الزبائن عليها, لجودتها, لقاء هذا يغض الناس الطرف عن قسوتها في المعاملة. ثم رَدَتْ في حديثي باستفاضة : نعم, أعلم هذا, لا الومك, ما كان حديثي إليك الآن إلّا لأُعلنَكَأن تنحّى جانبًا, ودعني معها, فأنا أعرف كيف أتعامل مع مثلها, لا تستمع إليها إن جاءت إليك تشكوني, ولن ألغي الصفقة, فكلمتي أمام كلمتها, الإتفاق ملزم لطرفيه,وبيني وبينها سلاطة لسان هو كل ما خرجت به من الدنيا. ثم نَدّت عنها ضحكة قصيرة وأكملت:يبدو أن هذه المعتوهة فقدت رشدها حينما استمعت لصوتي الرقيق, ذلك الذي يجرّ على مشكلات لا حصر لها,حتى كرهت نعومته, كم من مرة سعيت لأضفي عليه خشونة فما زاده ذلك إلاّ ليونة حتى تحسبني النسوة والعجائز قبل الرجال أنّي طفلة لم أغادر خِدري بعد. ولسوف.. ثم تطايرات ألفاظ قاسية من بين شفتيها, تاه أغلبها عن أذني مع نفير سيارة نقل كبيرة محملة ببقايا صخور وزلط,تتساقط على جانبيّ الطريق فتصيب من تشاء.


الكاتب: محمود حمدون
0المفضلة
25 المشاهدات
0 تعليقات