• النافذة المكسورة

    النافذة المكسورة * * * سكنتُ في العمارة منذ أيام فقط لم أتعرف بعد على أحد من ساكنيها ... كنتُ أصعدُ الدرج عندما استوقفني صوت حنون : = بنيَّ أنت الساكن الجديد في العمارة ؟؟ التفتُّ نحو الصوت ... إمرأة ربّـما تجاوزت الثمانين حولاً تقفُ على بابِ شقتها - نعم يا خالة أنا الساكن الجديد . = ممكن تساعدني ؟ - طبعاً بكل سرور . = نافذة المطبخ مكسورة ٌتحتاج تثبيت إحدى درفتيها . - حاضر رح أثبتها . = تفضّل من هنا . دخلتُ خلفها .. = اجلس دقيقة وأعود إليك . أدرتُ بصري حولي كل شيء مرتب و أنيق , بصمة جمالية واضحة في المكان ... غابتْ العجوز بضع دقائق و عادت تحمل القهوة . = اشرب قهوة أولاً . صبّت القهوة و قالت : = تفضل اشربْ بالهنا .. هل تعرف أنت في عمري ابني الأصغر ... عندي ثلاثة أولاد و بنت ... ابني الكبير درس الطب في ألمانيا وعمل هناك كان يزورنا كلّ سنة في الصيف : يقول أمي تحتاجني لا أستطيع الابتعاد عنها فترة طويلة , لكن بعد أن تزوج أجنبية تباعدت زياراته , ولـمّا ذكّرته بأني احتاجه قال لي : البركة بأخوتي الشباب يا أمي وأنا رح أظل أبعث لك حوالة مالية كل شهر , ابني الثاني هاجر أثناء الحرب أيضاً , يقيم في تركيا يتصل بي كلّ فترة و يخبرني أنّ أموره جيدة , و يبعث لي كل شهر حوالة ,أما ابني الصغير والذي يشبهك , تزوج من فتاة رفضت أن أعيش معهم و تحضّ ابني على الالتزام بالحوالة في موعدها , تظنّ أنه إذا تأخرت الحوالة ربما تكون سبباً لأزورهم , ابني لا يستطيع أن يكلّمني أمامها يتصل بي أثناء العمل , و يغامر كل فترة طويلة بزيارة قصيرة لدقائق , أمّا ابنتي فتزوجت و تعيش في العاصمة , وزوجها يعتبرنا ريفيين و قطع كل صلتها بنا لكنه لا يمانع أن ترسل لي مبلغاً من المال كل حين , كلهم يرسلون لي المال , لكن لا أحتاج المال , هل المال مقابل لتعبي معهم , و هل يمنحني الأمان , هل يؤنس وحدتي ... مضت أكثر من ساعة و العجوز تحدثني عن أبنائها و أحفادها الذين لا تعرف أغلبهم , كانت تتحدث عنهم بحب وشوق و ألم وخيبة , فجأة سكتت و قالت : = آسفة يا بني عطّلتك و أتعبتك بحديثي . - لا يا خالة سامحك الله دعيني أرى النافذة المكسورة لأثبّت الدرفة . = لا لا بدّ أنك تأخرت الآن . - سأصلح النافذة أولاً . = اذهب لبيتك ثمّ إني لا أريد إصلاح النافذة , لا تنظر إلي باستغراب , هذا البيت كان يعج بالصخب و الآن صامت موحش بلا حياة , وجود نافذة مكسورة تدخل منها الريح حتماً أمر مزعج للناس وربما مخيف ليلاً , أما بالنسبة لي هي مصدر راحة , فصوت الريح يؤنس وحشتي و يقتل هذا الصمت المطبق على روحي . ودعتها ووعدتها بزيارة أخرى مع عائلتي ضحكت كطفل صغير وهتفتْ : = حقاً ستزورني مع عائلتك . - نعم هذا وعد منّي . صعدت الدرج رأني أحد الجيران وهتف : - مرحباً بالجار الجديد ثمّ ضحك يبدو أنّ العجوز طلبت منك إصلاح النافذة إنها عجوز خرفة . نظرت إليه باحتقار و مضيت دون أن أجيبه . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ #النافذة_المكسورة #قصة_قصيرة #مجلة_الشارقة_الثقافية العدد الواحد و الستون نوفمبر 2021 #التغريبة_السورية #جاسم_الحمود - كانون الأول 2020

    الكاتب: جاسم الحمود

    0المفضلة

    80 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    قصة #قصة_قصيرة‬ 

التعليقات (0)

المزيد من جاسم الحمود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • النافذة المكسورة