موت العصافير
Jan 14, 2022 10:55 AM Jan 14, 2022 10:55 AM
أيتها الأثر الخالد كالوحي أيتها الفلتة الأكثر إنسانيةً ودمويةً في قلبي لأنّك الليل أمضي حياتي كلها في العتمة كي أجدك ولأنك النهار؛ أرقب كل الفوانيس الخافتة عساها تنفجر وتظهرين .. تظهرين مع سرب الأفراح المحلق بعيدا بعيدا في غيابك؛ أيتها الرواسب الأشد فتنة في ذاكرتي. كلك براكين ثائرة كالحروب وما زلت أرضاً جرداء تحت رُحماك أنتظر الحمم كي أحترق والمطر لأغني فقط دون أن أنمو ولو غصناً واحدا! فالذي يعرفك يصير أدهى حذرا لأنّك الحريق، أمّا حين عرفتك فقد رميت بآخر توقعات النجاة في لهبك الآخّاذ دون مقاومة، وكأنك الحلم المرهف بنزوات الشباب ولوعة الصبيان، لكنّك لم تكوني سوى الحريق .. الحريق الذي كنتِه قبل أن تولدي بألف ليلة وليلة.. لم أكبر ولو قصيدة واحدة منذ عرفتك ذابلة مثلي .. وجدتك ترقصين أمام مذبح العصافير في تلك الأحياء الخائفة كالقدر، وكنتِ أنتِ الشقيّة الوحيدة هناك تلوحين بيديك عالياً ككمشة من السنابل فرحةً بأشياء لن تحدث أبدا على أنغام وأد الفراخ حين بلغوا شهوة الشدو وكأنك تعرفين مصيرهم المرعب على ما نالوه من مصائر يومها .. واحداً تلو الآخر .. لماذا فرحت معك؟ اهي الصدفة أم هو الحب .. لكنّني لم أرقص وأذكر تماما أنني غنيت كما يفعل ذكر عصفور بالغ لحظة تزاوج .. ولم أتوقف عن فعل ذلك إلى عجزي هذا .. عجزي الذي لا يشعر بشيء غير طمأنينة الألم وبهجة الجراح الفتيّة. كونك رقصتِ كالمأساة في أوجّ شبابها هو الذي جعل منّي أحبك .. كون الحلم لم يكن كابوساً بطريقةٍ أعنف هو الذي أرداني فريسة في شباك غرورك وأنوثتك الأقرب للهشاشة بدل الرزانة والانتفاض .. كان كل شيء بيننا جريحاً كالعصافير.. كذلك الحلم المقيت الأعظم حقيقةً من كل واقع.


الكاتب: عبدالهادي بن خرفية
0المفضلة
41 المشاهدات
0 تعليقات