• هدنة الـ "لا يعني"!

    ثم إني اكتشفت أنه " لا شيء يعجبني" وإني على مذهب محمود درويش في هذا الأمر، فحين بدأ الحظر وأصبحت ملزماً بالبقاء في المنزل كنت أتخيل الأيام التي أكره الذهاب فيها إلى العمل، وأستسخف مشاعري القديمة وأتذكر كيف كنت أقوم متثاقلاً كل صباح وأشتم نفسي، ثم إني حين مضت أسابيع من الحجر شعرت أني سأكون ممتناً حين يعود العمل حتى لو بقيت أعمل اربعاً وعشرين ساعة متواصلة. وحين أُعلنت إجراءات تخفيف الحجر وأن الموظفين سيعودون بدأت أسمع صوت نفسي الأمارة بالكسل تقول لي: لو أن الأمر امتد شهراً إضافياً لكان الوضع أفضل. شعرت أني أحببت حياتي الجديدة ولا أريد أن أتخلى عنها، وأن العودة للذهاب إلى العمل كل يوم ستفسد عاداتي الجديدة والتي تآلفت معها إلى درجة أني نسيت العادات القديمة. في اليوم الأول لتخفيف القيود وقبل العودة للعمل شاهدت الناس ينفرون خفافاً وثقالاً إلى الشوارع والطرقات ويتزاحمون على دكاكين الطعام وشاهدت مقاطعاً لمن يلتقي بصحن الفول ورغيف التميس وكأنه التقى حبيبته التي ظن أنها فارقت الحياة. وفي المشاهد الأولى لليوم الأول كان الوضع محبطاً لمن التزم كثيراً بالإجراءات، شعرت أن الفايروس نفسه سيهرب من الشوارع والمطاعم ويلجأ للمنازل خوفاً من الهجوم غير المتوقع من الناس. وهذه المرحلة التي يمكن تسميتها بمرحلة " هذا لا يعني "، لأن هذه العبارة هي أكثر عبارة تم ترديدها في الأسبوع المنصرم، كان الجميع يقول للجميع بأن الحرب لم تنته ولم ننتصر بعد، وأن التخفيف هو بمثابة هدنة مع عدو ليس من طباعة التهادن مع أحد. المشكلة أن الأمر بدأ وكأن الناس بدو مقتنعين بأن توجيه النصائح أمر يغني عن الالتزام بها. فالكل مستاء من تراخي الآخرين في الالتزام بالإجراءات الاحترازية، لكن الكل أيضاً يجد أن تساهله هو أمر مبرر، وأن أعذاره لا تخلو من الوجاهة على عكس الآخرين الذين لا يعون خطورة تصرفاتهم. في الحياة الجديدة بدا وكأن الناس يعيشون سيناريوهات مسلسل ساخر، زملاء عمل يجتمعون ويأكلون سوية ويخرجون للتدخين ثم تحين الصلاة يلتزمون بمسافة مترين، وقد عزوت هذا الأمر إلى أن البعض ربما مقتنع بأن الفايروس يحب أماكن الصلاة أكثر مما يحب غرف التدخين. كان الإمام يوصي الناس بعد الإقامة أن يسدوا الفرج لكيلا يفسحوا للشيطان مجالاً للدخول بينهم، اليوم بدا أنه لا حرج أن يقول استو واعتدلوا واجعلوا بينكم شيطانين أو ثلاثة على أقل تقدير. وعلى أي حال .. لا أعلم هل سينتهي الأمر أم أننا سنعتاد عليه وتصبح عادات اليوم عبادات الغد، هل سيتخلى البشر يوماً عن الكمامات أم أنه سيأتي على الناس وقت يعتبر فيه من لا يلبس الكمامة عارياً، ويصبح لكل أمة كمامها وطريقتها الخاصة في لبسه. أشياء كثيرة لا أعلمها، واسئلة كثيرة زرعها في رأسي هذا الفايروس وطريقة التعامل معه سواء من الناس وحتى الحكومات المنظمات الدولية. لست مهتماً بمعرفة الإجابات لكني حريض على النجاة وحسب، لأسباب لا أعلمها هي الأخرى.

    الكاتب: عبدالله المزهر

    2المفضلة

    2076 المشاهدات

    1 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    كورونا كوفيد مقاول مندي 

التعليقات (1)

المزيد من عبدالله المزهر

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • هدنة الـ "لا يعني"!

    المزيد من عبدالله المزهر

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة