• في سبيل الكتب

    أتأمل حالي مع اقتناء الكُتب ولذة تحسُسها وتصفحها، وكيف أنني أتوقُ لزيارة المكتبة كما يأله الفصيل لأمه، فأتجشمُ الصِعاب لزيارة المكتبة والدوران بين رفوفها، والتنسكُ في طيّات الكُتب خاشعًا. قد تتساءَلُ عزيزي القارئ ماهي الصِعاب التي أتجشمها لزيارة المكتبة وما هذه المُبالغة! لا تثريب عليك. فإنكَ إن أردتَ زيارة المكتبة لكتابٍ رأيتهُ بين يدي آخر قد نشر صورته في وسيلة من وسائل التواصل وتاقت نفسُكَ لحملهِ وقراءته، فما عليك سوى أن تُدير مُحرك سيارتك متوجِّهًا إلى المكتبة متأبطًا سعادتك وراحة بالك وفرحتك بهذهِ الزيارة الخاطفة، وماهي إلا دقائق حتى تكونَ في عتبةِ المكتبة مُشهرًا (تطبيق توكلنا) والراحة تتوسّد عينيك، والبال خالٍ من أي إرهاق. وهذهِ الحالة الطبيعية لكُل من وُلِدَ مُتمدِّنًا. أما أنا (وأعوذ بالله من كلمة أنا) فحظّي كحظِّ ادريس جمّاع إذا يقول في قصيدتهِ: إنّ حظّي كدقيق ٍ فوقَ شوكٍ نثروهُ ثمّ قالوا لحُفاةٍ يومَ ريح ٍ إجمعوهُ. فمن سوء حظي أنّي قد وُلدت في مديرية أنعمَ الله عليها بشُحِ المكتبات والكتب، ولا يوجد قارئ فيها لصعوبة وجود الكُتب والمكتبات، ولا سبيل لي لأقرب مكتبةٍ الا بالسفر لمدة ساعة ونصف او ساعتين. وليس هذا بالصعب فالحمدلله فإننا في نعيم لم يشهد مثله عبدالملك بن مروان ولا هارون الرشيد، فالسيارات مُكيفة ومُريحة. إنما التعبُ والنصبُ في ذلك الطريق الوعِر. الذي يربطُ تهامة بالسراة، والبحر بالجبل، وهو طريق بالسيارات الصغيرة ضيِّق فما بالُكَ إذا اجتمعت معك الشاحنات، وناقلات وقود السيارات، والدواجن، وأنابيب الغاز، والمواد الغذائية للبشر وللحيوان، من مَطعمٍ ومأكل، فتُزاحمك في هذا الطريق الضيّق الملتوي. يأتي المُسافر من بعيدٍ فلا نهتمُّ لأمرهِ بل ونكون في بالٍ مُستريح، حتى يتصلَ ويقول لقد وصلتُ إلى "العَقَبَة" والعَقَبةُ في اللغة هي: المَرْقَى الصَّعب من الجبال. وهي واللهِ فعلًا مرقىً صعب. ولذلك عندما يصلُ مسافرنا إلى هذا الطريق، الداخل إليهِ مفقود والخارجُ منه مولود، فما يكونُ مِنا إلا أن نَكِبَّ على وجوهنا خُشعًا متضرّعين مُبتهلين ابتهال اهلِ بدر. حتى يأتي رسولهُ قائلًا لقد تخطيتُها وللهِ الحمد، فنقومُ حامدين شاكرين مُباركين لبعضنا هذا النصرُ والتمكينُ من الله. فهذهِ رحلتي التي أعُدُّ لها العُدة كل شهر لزيارةِ مكتبةٍ اقضي فيها ساعة زمان، فما أصلُ إلى تلك العقبة، حتى اطفأت مذياع السيارة وشمّرتُ عن ساعدي وتلوت جميع ما حفظتُ من أدعية الأمان والحفظ من كُل شرٍّ وبلّية. فأدخلُ دخول المتوكِّل الوجِّل، فها أنا في هذا الطريق الملتويّ المتعرّج الذي لا يجد فيه السائق نفسه إلا مُترنحًا ذات اليمين وذات الشِمال. ولا أحدثكم عن رداءة الطريق ففيهِ من الخنادق، والجِبال ماتشيبُ له الأرواح. فها أنت تتنقلُ بين حُفرةٍ أوصلت مِعدَتك إلى حلقك، او مطبٍ رأيت منهُ قصور الشام. وبجوارك الحافلات والشاحنات التي لا تمشي إلا كالسلحفاة. ولا يجعلك تتجاوزه إلا بشقِّ الأنفس. فما أصلُ إلى المكتبةِ إلا وقد ذَهَبَ عقلي، وقلّ اتزاني فأدخُل لاهثًا باحثًا عن شربةِ ماء، او كرسيٍّ أتوسّده لأُريح من عناءِ هذه الرحلة الشاقّة. وإنني في كثيرٍ من الأيام أصِلُ بعد هذا العناء فلا أجِدُ بُغيتي ولا أحصلُ على مُرادي، وإنما أكتفي بتقليب الصفحات وتأمل الكُتب المتوسدّة بعض. وأعود خاوي اليدين داخلًا من جديد في هذهِ المعركة الطاحنة، حتى أصلُ إلى بيتي فأُطبْبُ تطبيب الحاجِّ العائد من حجّهِ في القرون الماضية. هذا جُزء من هذهِ الرحلةِ الشاقّة التي أُبتليت بها حُبًا لرؤية الكتاب وشغفًا لملمسهِ ونسأل الله أن يُرسل لنا تاجرًا ينظرُ في حالنا ويشفق علينا ويفتح متجرًا لبيع الكتب ونكون لهُ من الشاكرين الداعين في كُل وقتٍ وحين.

    الكاتب: يعقوب العريان

    0المفضلة

    245 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من يعقوب العريان

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • في سبيل الكتب

    المزيد من يعقوب العريان

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة