• أستاذ يعقوب!

    ناداني أحدهم اليوم قائلًا: أستاذ يعقوب! فخجلتُ من هذا المُسمى الذي أعلم تمامًا أنني لا أستحقه وأنني لم أتشرّف بهِ يومًا، وهذا ليس من التواضع ولا من جلد الذات! وإنما حقيقة مُرّة أتقبّلها بكل صدرٍ رحب وكُل محبةٍ وخنوع. وهذهِ الحقيقة تعوز إلى أنني لا أحملُ أي شهاداتٍ أكاديمية ولا أي ألقابٍ فخرية، فلستُ بطبيعة الحال استاذًا! ولا دكتورًا ولا فخامة الرئيس ولا الفلاح، ولا النجار، ولا الحداد، ولا الكندرجي، ولا مُربي الحمام ولا أي لقبٍ لأي شيءٍ لا أزاوله أو استحقه، فأنا يعقوب. وكيف أحملُ هذهِ الألقاب وأنا تخرّجتُ من الثانوية بشقِّ الأنفس وقد كانت والدتي تقول ماظننتُ أن يعقوب يتخرّج من الثانوية ابدًا. وإنني عندما تخرّجت فكأنما أعتقتُها، فقد كُنت أخرجُ من المنزلِ متأبطًا كُتب الدراسة فأشرّق وسبيل المدرسةِ غرب! وكُنت أحتملُ حرّ الهاجرة، وأتوسّد رمضاء الأوديةِ والشِعاب ولا أحتملُ برودة الصفِّ ولا تكييفه! وأعود إلى المنزلِ وكأنني مضيتُ يومي في المدرسة وأنني ما مضيته إلا هاربًا في الخبوت والقِفار حتى ينقضي اليوم الدراسي، وإنني رسبتُ في أصعبِ المواد وأسهلها، وما كُنت مُريدًا لها أبدَ الآبدين فكيفَ أوصفُ بأنني أستاذًا أو فقيهًا أو مُعلمًا. فإن من سيء طِباعي أنني لم أكُن أُحب الإرتباط بشيءٍ ابدًا وما كرهتُ المدرسة إلا لأنها تربطني بشيء وتجعلني في جدولٍ مفروض عليّ فكرهتُ هذا، ولهذا أجِدُّ في نفسي دائمًا دِفاعًا عن الحرّية أينما كانت وفي شتى أمور الحياة ماعدا تِلك التي تخلّ بالمروءات وتخدِشُ الحياء وتنزعُ القيمَ والمكارم. ولعلّ هذا ما جعلني أكتبُ هذه الكلمات فأجعلها حبيسة أدراجها حتى لا أوسمَ بوسمِ الكاتب فتصبحُ الكتابة عملًا ضروريًا مجدولة بجدولٍ زمني. وهُنا أعودُ وأقول أنني ما أتحدثُ هنا إلا عن زمانٍ عشته ولماضٍ تجرّعتُ عُصارته فلن أجحده ولن أتنكّر له ابدًا، فهو من صقَلَ شخصيتي، وأرسى قواعد حقيقتي التي ترونها اليوم. ولعلّي أنتهزُ الفُرصة فأشكر المولى جلَّ في عُلاه، أنني على شقاوتي في صِغري وعلى تمرّدي على الكثير من المُسلمات التي وضعها البشر، إلا أنني ما انحزتُ يومًا إلى قومٍ فَسدة فماشيتهم، ولا إلى عُصبةٍ جعلت من الإنحلال شعارًا ودِثارا فلازمتهم، بل إنني كُنت أنأى بنفسي عن رذائل الأمور، وأرفعُ هامتي عن الخوضِ في مستنقعات الدنيّة، وهذا من حفظ الله سبحانه وتعالى لا بتصريفي ولا تدبيري ثم بدعوات والديّ -حفظهما الله- فقد كُنت وللهِ الحمد على قلّة نِجاحي وكثرةِ تمرّدي كُنت محافظًا على الصفِّ الأول، وما نادى المؤذن إلا ونفضتُ يداي عمّا كنت الهو بهِ ومضيتُ ملبيًا داعي الله، وما سمعتُ عن محفلٍ فيه رفعةً للدين أو للقيم أو للمجتمع إلا ورُمته وكنت من أوائل من يلتمسُ مكانه ويدعو من يراه إليه. فهل لهذا الطفل الشقي المُتمرد أن يُقال له يا أستاذ أو أي لقبٍ اكاديمي؟ إنما أنا يعقوب، هكذا ولدتُ وهكذا أموت وهكذا أُبعث، فأرجو منكم أيها القرّاء الكرام، وأيها المتابعين الأعزاء أن تتكرموا عليّ بإعفائي من هذهِ المسميات التي تجعلُ من الحقير عزيز، وتجعل الصعلوك في صف الملوك، فإنني لا أريد إلا أن يُقال كان هنا يعقوب، ورحلَ من هنا يعقوب.. وسينتهي غدًا يعقوب. 

    الكاتب: يعقوب العريان

    1المفضلة

    151 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من يعقوب العريان

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • أستاذ يعقوب!

    المزيد من يعقوب العريان

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة