• رسالة رمادية

    " رسالة رمادية " === سويعات مضت ورسالتها بين بيديّ, تَلَوْتُها كما يفعل ناسك مع وِرده الصباحي,قلبّت الأمر بيني و بين نفسي, ثم نهضت وألصقت الرسالة على زجاج مرآة غرفتي وابتعدت للوراء قليلًا ثم نطقتُ كلماتها بصوت عال: "لا أرغب في التعامل معك".. رسالة مقتضبة لعل لها بقية لم تُرد أن تذكرها, تركت لي أمر تدوينها,فأضفتُ: " كما لا أرغب في معرفتك" فأنا أزعم أن الرغبة في عدم التعامل لا تأتي إلاّ من عقل شرد بعيدًا, قلب زهد في صاحبه, يريد أن ينأى عنه,تلك مرحلة تنتهي بكراهية, قلت كل هذا للمرآة وأنا أضع يديّ بجيبيّ بنطالي,نظرت لها كـأنما أستنطقها أن تردّ عليّ. غير أنني لم أر غير ظلال باهتة لصورتي تنعكس على زجاجها, فأثارت غضبي فقلت من جديد: وأنا أخاطب بطلاتي جميعهن: أنتن مخلوقاتي, نفخت فيكن من روح إبداعي, لا يحق لكن التمرّد عليّ أو الفكاك من جنّتي, معي تسمو كل منكن لأعلى عليّين, من دوني تصبح كل واحدة كمن تتخطفها الطير أو تهوي بها الريح . ===== هدأت ثورتي بعد فترة, و قد استقرت على وجهي نظرة جمعت بين الحيرة والأسى, غير أنني أحسست في نهايتها براحة غريبة تعتريني, كأنما كنت أنتظر قرارها هذا منذ أن أحييتها بأول قصة كتبتها عنها, فهمست أحدّث نفسي: ليكن العقل حليفك, ها هي أولى بطلاتك و الأثيرة لديك, ترغب في البُعد والابتعاد, لعلّها وجدت لنفسها طريقًا مغايرًا, لربما مقَتَتْ أن ُتُصبح حبرًا على ورق لفترة طويلة مضت.. ثم علا صوتي:أعترف على الملأ أنني كتبتها ,لم أكتب عنها كما فعلت مع الباقيات, لكم أخبرتها هي دون غيرها أن فارقًا كبيرًا بين أن أكتبها وأكتب عنها, قد عشت مشاعرها بدلًا منها, كنت أسري في جسدها مسرى الدم بالعروق,. ,كنت كمثّال ينحت بالكلمات تفاصيل دقيقة "لأفروديت", كشفت لها عن مواطن قوتها,أريتها ما لم تر من قبل في نفسها, كل ذلك فعلته عن طيب خاطر وأكثر, معها ومع غيرها في قصصي و رواياتي. ثم قلت بعد حين من تفكير هادئ: لا ضير,ربما أرادت أن تحيا كما يحلو لهاّ.أتممت جدالًا مع عقلي: ما أغبى أن ترتدي يا هذا وأشرت لنفسي في المرآة, أسمال" بيجماليون"! وأن تعيش مأساته مرة أخرى,فأنا أوجدتها من عدم,حتى أضحت بشرًا يتنفس, يفرح ويحزن, يلتفّ حولها القُرّاء كما يلتف الجمهور حول غانية مشهورة, فلمَ لا يكون لها رأي وأن تستقل بنفسها ولنفسها؟! أخرجت يدي اليمنى من جيبي, تحسست الورقة الملتصقة على الزجاج, وقلت وأنا أودّعها بقبلة على الهواء: لك ما شئتِ, لعلّكِ عثرتِ على ضالتك بعيدًا عنيّ, ربما بطل في رواية آخر. ثم التفتُ برأسي إلى مكتبي, ألقيت نظرة فاحصة على " رزمة ورق أبيض" كبيرة, بضعة أقلام بألوان مختلفة,أخذت شهيقًا عميقًا, كتمته بصدري لدقيقة كاملة, ثم أخرجته زفيرًا حارًا, أطاح بالرسالة في الهواء, ارتفعت للسقف, ثم هوت محترقة, مخلِّقَة شذرات متناثرة من رماد ,وأنا أردد بيت شعر " كامل الشناوي" فأنا صنعتك من هواي، ومن جنوني... ولقد برئت من الهوى ومن الجنون!!

    الكاتب: محمود حمدون

    1المفضلة

    46 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    story 

التعليقات (0)

المزيد من محمود حمدون

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • رسالة رمادية