رحلات أجدادي
Feb 13, 2022 06:02 PM Feb 13, 2022 06:02 PM
رحلات أجدادي عاش مسلميّ الإيغور (تركستان الشرقية) في حرب وظلم، بين تشتت في البلاد وغزو واحتلال من روسيا من الناحية الغربية والصين من الناحية الشرقية، في هذه الظروف القاهرة اضطر عدد كبير جدًا من المواطنين للهجرة في سبيل العيش ولممارسة دينهم بشكل يرضي الله سبحانه وتعالى. دعوني أحدثكم عن مغامرة الشاب بُرهان، وُلد في بدايات القرن العشرين، وعندما أصبح قبيل العشرينات من عمره هاجر هو وأهله وأصحابهم، كان منهم تجارًا ومزارعين وذوي صنعة وحرفة، و لظروف العيش الصعبة والسفر على الأقدام أُجبروا على أن يمكثوا في عدة بلدان وهم في الطريق إلى مكة. وذلك لداعي التجارة وجمع المال والزاد ومواصلة الطريق، مكثوا في كل بلد عدة أشهر واستغرقت رحلتهم سنين، واصلوا طريقهم إلى مكة وأدوا الحج بحمدالله، بعدها انتقلوا إلى الرياض وعاشوا بها، بدأوا رحلتهم بعدد معين من الأفراد وأنهوها بعددٍ أقل، فهناك من مات في الطريق ومنهم من تزوج واستقر بأحد تلك البلدان، ومنهم من تابع مسيره مع برهان. عمل برهان مزارعًا في قصور أحد الأمراء، كان ذو علم وحافظ للقرآن بأكمله، لذلك لُقّب بـ حافظ برهان. كان يعمل في حديقة القصر ذات يوم ويرتل أعذب الآيات، فسمعته إحدى الأميرات وشدّها صوته وعظيم قراءته المجوّدة وفصاحته بنطق الأحرف رغم أنه ليس عربيًا، فقالت له: أتحفظ القرآن يابرهان؟ قال: نعم، كاملًا. فطلبت منه أن يكون إمامهم في مسجد القصر، ففعل. منذ ذلك الوقت بدأ صيته يذاع، وتعلم العلم الشرعي وأتقنه، تزوج في القصر من إحدى المرضعات اللائي كن يشتغلن عند الأميرة. فأنجب منها خديجة، عندما بلغ عمر خديجة خمسة أعوام طلق برهان زوجته وذهب بابنته إلى الطائف. هناك حيث عمل عدة سنين في مدرسة ما، ثم انتقل إلى مكة فأصبح مدير لمدرسة وإمامًا لجامعها، بعدها أصبح معلمًا للقرآن والعلم الشرعي في المسجد الحرام من نهايات الثمانينات الهجرية إلى عام ١٤١٨. دعوني أقف هنا قليلًا وأعود بالزمن لأتحدث عن شابٍ آخر، يعقوب، يعقوب تُركستانيّ الأصل وفعل مافعله برهان من مهاجرة هو وأخوته وأهله وأصحابهم، ولقي مالقي برهان، من موت أهله في طريق الهجرة، وتزوُّج بعضهم واستقرارهم في مكان ما، فإحدى أخواته تزوجت بشاب تركي الأصل وذهبت معه إلى تركيا، ولم تواصل مسيرها لمكة، وانقطعت أخبارها عن أخيها يعقوب منذ ذلك الحين. الفرق أن يعقوب بدأ رحلته وهو ذو ٣ سنوات ولم يصل إلى مكة إلا وهو في العشرين من العمر، وتجرحت يداه وأقدامه خلال الرحلة أثناء تسلق الجبال وماشابه ذلك، فبقيت الندوب على كفيه إلى آخر يوم في حياته. كان يعقوب خبازًا، فاشتغل في دكان صغير عند الحرم المكي، وكان رجلًا ذو أخلاق وعلم ونباهة. نعود لبرهان، بحكم أن برهان كان مدرّسًا في الحرم، فكان يعرف يعقوب بطبيعة الحال، فلاحظ كمال أخلاقه وأُعجب به ورجا أن يكون زوجٌ لابنته خديجة، فحدّثه بذلك فوافق. تزوجت خديجة بيعقوب وهي ذات ١٢ عام فقط. بعدها بعدة سنين أنجبت خلالها ٤ أبناء وكانت حاملًا بالخامس، فجأةً دخل بيتها نسوةً غرباء. كان أولادها يلعبون في ساحة المنزل فخشيت عليهم من هؤلاء أن يفعلوا شيئًا بأطفالها فذهبت لهم مسرعة، وما إن رأوها إلا وانفجروا بالبكاء، ويصيحون: خديجة، خديجة. على الفور تعرفت عليهم، هؤلاء هن خالاتها أتين من الرياض، لم تراهن منذ قرابة ١٧ عامًا، جاءوا لأداء فريضة الحج فالتقوا بالحرم ببرهان، فدلهم على بيت ابنته، هكذا بعد ١٧ عامًا من انقطاعها عن أهلها، أخيرًا لقيت حلقة وصل بينها وبينهم. أخبروها أن أمها تزوجت برجلٍ آخر وأنجبت طفلة، وماتت بعد ذلك. لا أستطيع تصور شعور خديجة وهي تسمع هذا الخبر، ذهبت عن أمها بعمر صغير جدًا ولم تدري عن وفاتها إلا الآن. بعدها بعدة أشهر أنجبت خديجة طفلتها الخامسة، فسمّتها أمل. بعد عشرون عامًا، تزوجت أمل بشاب من الرياض، الطفل الرابع لهما كان أنا.


الكاتب: روان
0المفضلة
39 المشاهدات
1 تعليقات