• شابٌ على المنبر!

    تأخّرَ الخطيب، تهامس المصلون فيما بينهم، تنحنح كِبار السن، أذنّت الهواتف.. ولا إجابة ولا مُنقذ! بدأ يضِجُّ المسجد شيئًا فشيئا! متى سيحضر الخطيب؟ صاحَّ أحد الحضور ولا إجابة! فجأةً يتخطى شابٌّ صغير الصفوف، يَعمدُ إلى مكتبةٍ في مقدمةِ المسجد على يسار المِحراب، يفتحُ أبوابها يقلّبُ بين كُتبها! والجميع ينظر ماذا يفعل هذا المراهق! فجأةً يستدير بإتجاه المصلين ويُشير للمؤذن أن أذن للخطبة! يصعدُ الشاب الأمرد المنبر، خطوةً بخطوة! مع كل خطوة تزداد رجفة يديه، مع كل درجة يزداد العرق المُتحدِّر من جبهته، يجلس مُنتظرًا إنتهاء الأذان يتلّفت المصلون ولسانُ حالهم يقول: انزلوا هذا الطفل من المنبر! من يظنُّ نفسه حتى يصعد المنبر! هل لهُ خِبرةً بالخطابة؟ هل ارتقى منبرًا يومًا ما؟ هل سيفسد علينا جُمعتنا؟ يقرأ هذهِ الأسئلة في وجوههم ويقرأ علامات الإزدراء ومع ذلك يواصل، وكيف لا يواصل وقد صار في الأمر الواقع! يرتفعُ الأذان وقدمه تتحرك بسرعة وترتفع وتهبط على الأرض، يحاول أن يشتت رجفته من هيبة المنبر ولكنها لا تتشتت! بل كل ما قاربَ الاذان على الإنتهاء زادت أكثر وأكثر، يتصفّح الكُتيب الذي التقطه من مكتبةِ المسجد ثم تقع عينه على خُطبةٍ عن الجنة، فيختارها لتكون خطبة هذا اليوم بِلا سابق إعدادٍ ولا قراءة. حاول أن يستجمع ما يذكرهُ من كلماتٍ وأبيات شعرٍ عن الجنة، حتى يرتجلَ بها قبل أن يُباشر هذهِ الخُطبة التي رأى أن فيها نقصًا وفيها خللًا لا ينبغي أن يكون في هذا الموقف فحاول أن يكملهُ بما في جعبتهِ! يا لهذا الشاب الشقي الذي لا يرضى إلا بالكمال!. انتهى المؤذن واستقام فرأى جموع المصلّين فهالهُ الموقف، وكاد أن يُصرع في المنبر فيكون شهيد المنبر، لا برنانةِ خُطبه إنما هلعًا من المنظر! ولبئس الميتة هي.. ابتدأ خُطبته بحمد الله والثناء عليه، ثم صلّى على النبي بما هو أهلٌ له، ثم أوصى عباد الله بالتقوى وحُسنَ العمل، فجأةً أحس في نفسهِ جُرأةً وفي داخلهِ لهيبًا توقّد فصدحَ بكُل صوتهِ بأبياتٍ في وصف الجنة كان قد سمعها فحفظها، فهو ذو ذاكرةٍ قويّة. قلّب نظره في المُصلين فوجدَ علامات الإزدراء والتحقير قد انقشعت، وتجلّت علامات الرضا والقبول، فأحس أن الميدان قد اتسّع له، وأن المقام قد وُهِبَ له؛ فأنطلقَ يعدو في الكلام.. آخذًا الجموعَ في رحلةٍ سماويّة إلى تلك الجنّاتِ البهيّة، واصفًا دورها، وحورها، خضرتها، ونضرتها، فكأنما غشيتهم السكينة. شابٌ لا يعرفُ من الوقوف في مثل هذهِ المواطن إلا في الإذاعات المدرسيّة أو الخُطب المحفلية! والآن يتميّز ويتألق في منبر رسول الله! يا لهذا الفتى كم غرّته نفسه، وكما قيل في الأثر: تقدّم السيوف ولا تقدّم الصفوف! ماذا لو أنصت للجانب الآخر من نفسه الذي كان يثبطه قائلًا له: ستخفق! ولن تُحقق إلا الإنهزام، هذا ليس بمنصةِ اذاعة هذا منبر جمعة! هذا المنبر الذي يخطبُ فيه محمّد رسول الله، وخلفاءه، من أنت حتى تصعد وتخطب؟ من أنت حتى تتفوق على من كان قبلك من الخطباء على هذا المنبر وغيره؟ كيف تصعد منبرًا أنت تعرفُ في داخلك أنك أقلُّ منه وأحطّ!. ومع ذلك فإن روح العطاء الوقّادة وحس المسؤولية المشتعل في داخله، أبى أن ينصاع لهذهِ الكلمات المُعَوِّقة والمُخذلّة، ولهذا كان منهُ ما كان من تألقٍّ ونجاح. نزلَ الشاب من المنبرِ وقد أدهش الجميع، من فصاحة لسان، وسلامة بيان، وإلقاءٍ رنّان، ثمَّ تقدم المُصلين فصلى بهم وهو ابن ستة عشر سنة، وفي المسجد ابنُ الستين والسبعين، والخامسة والعشرين والأربعين، صلاةً كان فيها من الإتزان الشيء الكبير، ومن الإطمئنان ما يسري بالأرواح ويُبهج الأفئدة. انتهى من صلاته واستقبلَ بوجهه جموع المصلين فأقبلوا يهنئونه بهذهِ الموهبة الفذّة، وهذا الخُطبة المفوّهة، وهذا الإسترسال الأخّاذ. وهكذا استيقظ الشاب وإذ بصلاة الجُمعة قد فاتته فنِدمَ وتحسّر على ماكان منهُ من التقصير، فقام وصلّاها ظهرًا وأخذ يتذكرُ هذا المنام والذي صيّرهُ واقعًا بعد سنواتٍ قليلة.

    الكاتب: يعقوب العريان

    0المفضلة

    98 المشاهدات

    1 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (1)

المزيد من يعقوب العريان

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • شابٌ على المنبر!

    المزيد من يعقوب العريان

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة