الليلة الاولى والثالثة والاخيرة
Feb 18, 2022 02:39 PM Feb 18, 2022 02:39 PM
الليلة الأولى قبل أسبوع استيقظت على حلم راودني كما لو كان حقيقة، كانت الغرفة مُظلمة فلم أستطع أن اترك السرير خوفاً من السقوط على الأرض. مددتُ يدي في العُتمة اتحسس مِقبس الضوء... وجدته وانا مغمضٌ عيناي بقوة، هكذا أنا في الظلام لا أفتحها... دائما أضعُ عدة أقلام بجواري على السرير، نصفها باللون الأزرق، والنصف الآخر باللون الأسود، ودفتر صغير بجوار سريري على منضدة خشبية، لكي أدونُ أحلامي بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، كنتُ أعتقد وما زلت أعتقد ذلك حتى الآن، أن الأفكار العظيمة تأتي في الحلم، وفي اليقظة تأتي الكوابيس... أخذت القلم الأزرق فهو مُخصصٌ لكتابة الأحلام، أما القلم الأسود فهو مخصصٌ لأحداث اليقظة. أول سطر في الليلة الاولى: جاءني في المنام رجلٌ يسعى من أقصى المدينة، رأيته يركض موجهًا نظره صوبَ مكان جلوسي... كنتُ جالساً فوق تلة رملية، أرى أنوار المدينة على مرمى البصر... الأجواء كانت باردةً، الهواءُ كان أبيض اللون، شاهدتُ الهواء لأول مرة... والرجل يقترب كأن الأرض تسحبه صوب التلة الرملية، ألقى كتابًا أمامي وتوارى عن الأنظار... واستيقظت قبل أن اقرأ الكتاب.. كنتُ أفكر في هذا الكتاب، ما الذي يحملُه لي وماذا كُتب فيه؟ لقد كان صغير الحجم... كنت أسأل نفسي أهو كتابٌ أم رسالةٌ؟ لم أستطع تميز ماهيتهِ... لعله كتابًا في الحلم، ورسالة في اليقظة؟ وأغمضت عينايَ محاولاً أن استذكر الثواني الأخيرة من الحلم، ولكن هذه المرة كان النور مضيئًا وتشتت أفكاري وضعُفت ذاكرتي... الخط ما بين البدايات والنهايات طويل ورمادي، مُتخمٌ بالتفاعلات، والتشابكات ولا تجودُ به الذاكرة بل تتركهُ يهيمُ على وجههِ، وجُلَ قُدرتها أن تتشبثَ إما بالبدايات ، أو بالنهايات... أما أنا، فاليقظةُ أنستني نهاية حلمي، أغلقت القلم ووضعته في مكانهِ المعهود.. ورميت الدفتر على السرير... الليلة الثانية عادَ الرجلُ كما كان في الليلة الأولى يركض نحو التلة، لم يتغير شيء... أنوار المدينة في مكانها مضيئةً شاهقةً، الرملُ بحباتهِ المتناثرة لم تتغير، الهواء شاهدته للمرة الثانية بلونه الأبيض... في الحلم تتوقف الأشياء وتتحرك في نفس الوقت، كان الرجل الذي يسعى من آخر المدينة يتحرك ويقف في نفس اللحظة.. أرهقني الانتظار، وكنتُ أعلم أني أحلُم ولستُ مستيقظًا.. كان جُلَ تفكيري هو الكتاب الذي ألقاهُ أمامي في الليلة الأولى، صرختُ بصوتٍ عالي: ضعِ الكتاب أمامك، وأنا سوفَ آتي إليك لأخذهُ، ولكنني لم أتحرك من مكاني، في الحلم لا نُدرك واقعنا، وقوانين اليقظة تختفي، وتنصاعُ بدون إرادتك لقوة قانون الحلم... شعرتُ خلال هذه اللحظات من الانتظار بأن عضلاتي قد شُلت، وتسمرّتُ مكاني مثل وتدٍ غليظٍ قويٍ قد غُرِزَ في أرضٍ صُلبه... ووصل الرجلُ بعد وقتٍ طويل وهو يلهث، والكتابُ يحملهُ في يدهِ، لا أعرف كم كان هذا الزمن، هل هي ساعة، أم يوم، أم شهر! ولم يُلقي الكتاب أمامي... استيقظت للمرة الثانية بدون الكتاب. الليلة الثالثة كانت مثل السراب... كانت أصوات البرية عالية الهواء كان نصفهُ بارد والنصف الاخر فاتر الغيوم تساقطت على الأرض... المدينة اختفت... الأضواء خفُتت. صدري كان يتنفس بقوة، كنتُ أبكي في الحلم... التلةُ تساوت مع الأرض... حبات الرمل تلاصقت مع بعضها البعض فكانت مثل عِقد اللؤلؤ المنثور... لم أجد الرجل، وكانت الليلة سراباً... الليلة الرابعة حولي جمعٌ من البشر... أعرفهم كلهم وأعرف أسمائهم وأشكالهم... نعم أعرفهم في الحلم فقط... توجهتُ لكبيرهم أبحث عن ذاك الرجل الذي كان يسعى.. تأملت الوجيه، وقلبتُها، ضاحكةٌ بعضُها.. وبعضها شاحبة.. وأنا أبحث عن مُبتغاي، كان الجميع يتحاشَ التحدث معي، غُربةٌ كانت أحلامي... كنتُ أركض أسابق الوقتَ، فأنا أعلم أنه في أي لحظة سوف استيقظ لا أريد أن أستيقظ.. أريدُ أن أحلم. نورٌ بزغَ بين الجموع، كانت هي العلامة... هكذا هي علامات اليقظة على ما أعلم. شمّرتُ عن ساقيا وكنتُ حافيا القدمين... وركضت للنورِ أريدُ الرجل الذي يسعى... وقعت كثيرا، لم يساعدني أحد... جُرح قلبي في الحلم وما زال الجرحُ ينزفُ في اليقظة... كان من حولي يضحك حينما أقع.. أو أتعثر... يتشمتون، لم يساعدني أحد.. وطعنتُ في جانبي الأيمن سبع طعنات، وفي الايسر سبع طعنات... نُزفَ دمي، وكان سريري مٌغطى بالدم الأحمر الداكن... خفَتَ النورُ، وتلاشى بعيداً... وعاد السراب... وقلبي أحترق... تقطع جسدي في هذه الليلة وكنتُ وحيدًا... الليلة الخامسة ما زال جسدي ينزف، وقلبي يحترق.... الليلة السادسة ..... الليلة السابعة قبل النوم، فتحت الشبابيك في غرفتي، وتركتُ الباب مفتوحاً.. وغفوتُ على صوت المطر... هو الرزقُ من السماء وكذلك هي الأقدار.. الهواء كان عليلاً، كنتُ مبتسماً وانا مضطجعٌ على ظهري، وبعد دقائق، دخلتُ في سباتٍ جميل... كان الحلمُ سريعًا، مرَ كمرِ السحاب.. كانت تفاصيله قصيرة ومتراكمة بعضها فوق بعض، القمرُ كان بدرًا كبيرا والشمسُ كانت خجولةً، اختفت خلف الجبال... والبشر من حولي عادوا كالنملِ ينتشرون، لم أتحدث معهم.. خفتُ أن يشتتونني عن الرجل الذي يسعى، ووجدتُ نهرًا يجري في وسط الصحراء... شربتُ من ماءه العذب ووقعت على وجهي وأنا أمشي ثلاث مرات فقط.. لم يراني أحد.. وتنقلت بين المُدن... أقفزُ من مكان لمكان... أبحث عن الرجل الذي يسعى، لمستُ النجوم والكواكب بيدي، ورأيتُ بوابة السماء بأم عيني... وعرفتُ بواطن الأرض، وخباياها.. تحدثتُ بكل لغات البشر، وسألتهم عن أحلامهم... وعند النهايات وقبل أن أستيقظ... وجدت الرجل الذي يسعى قد أمسك بيدي اليمنى بقوة، لا أعلم من أين آتي.. لكنه جاء اخيرًا.. لم أستطع أن أهرب... ولماذا الهروب وأنا الذي أبحث عنه منذُ الليلة الأولى؟ كانت قبضته شديدة قوية... هذا كتابكُ مؤشراً بإصبع يدهِ اليمنى على قلبي. الزم قلبك تجدُ راحتك.. الزم نفسك وأعرفها تجدُ السماء تنهمرُ عليك بالرزق.. ابحث في ذاتك، فإن أول المعرفة تنبعُ من هذا المكان: وأشار مرة أخرى لقلبي.. كن صادقًا مع ضميرك... أجعلهُ منارة لقولك ولفعلكَ. راجع أخلاقك كل يوم في اليقظة وفي الحلم... كنُ صريحًا مع فؤادك وعقلك، فالفؤاد هو نور من الله والعقل هو فعل هذا النور، لا تقتل نور الله فيك بظُلمة الفساد، والكذب، وسوء المنقلب، والحقد، والحسد، والكبرياء، وفُحشِ الكلام، وبذاءة المنطق، وظلم النفس... ثم ترك يدي من قبضتهِ... وكان سرابا... واستيقظت مسرورا... هذا كتابي أخذته بيمني وفتحت الدفتر وكتبتُ جُملة واحدة: لقد وجدتُكِ اليوم ولن أتركك. الليلة الثامنة (في اليقظة) ألقيت المخدة على الأرض... لا شرشف يغطيني هذه المرة... ورميت بجسدي المُنهك من يوم شاقٍ وطويلٍ على الأريكة... فكرت في نفسي هل تغير مكان النوم يُغير الأحلام؟ هل الحلم مُناطٌ وقوعهُ بالمكان؟ ثم ما لبثتُ دقائق حتى وقفت على قدماي ... أخذت أمشي في شقتي، أبحث عن مكانٍ آخر، لم أجد ما يطمئن له قلبي فتحت باب الشقة ... صوت آنينَ الباب كأنهُ يصرخ بصمت صدى الآنين كان عالي... هل الباب هذه المرة يتألم أكثر؟ خرجت ولم أُغلق الباب خلفي... كان أمامي خيارين: إما أن أنزل من السلالم لخارج المبنى، أو أن أعتليها وأرتقي فوق المبني انقسمت وقتها لنصفين... غضبتُ من هذا الانفصام والإنفصال... الباب ما زال يئن .... اييييع اييييييع هُنا... قررت أن أرقى للسطح وجدتُ شرشف أخضر اللون مرمي في زاوية السطح، لعله هذه المرة يكون الحلم في الربيع، وتحت أشجار الغابات الخضراء... اضطجعت على ظهري، وعيناي للسماء ليلة ساكنة، والسماء قد شقت عن جسدها الأسود المُطرّز بالنجوم.. فكانت مثل عباءةٍ مخرّقة مليئة بالشقوق يشُعُ من خلفها ضوء... صافيةٌ لا غيم فيها، كأنها المحيط في سكونهِ آخر الشهر... والقمرُ قد توارى وجَبُن تلك الليلة.. طال الليلُ ولم أستطع النوم... والنجوم تتحرك ساحبةً خلفها السماء الأولى آنين الباب ما زلت أسمعهُ... صبري قد نفذ وجسدي قد تعب، والنجوم تعبت معي وخفُتَ ضوؤها.. وأنا ما زلت مضطجعاً على ظهري... لم أستطع النوم تلك الليلة... هل لأني وجدتُ ضالتي في الليلة السباقة؟ وهل يجدُ الانسان ما يبحث عنه ثم ما يلبث أن يصيبه الكسل!! إن أصعب ما يقتل طموح الإنسان هو الانسانُ نفسه... يخرجُ أول النهارَ شُعلةٌ وهّاجه، يرتطمُ بذلك الانسان البليد، فتثُقلُ عزيمته ثمَ يُحارب الغلظة الرتيبة من حولهِ... فتقتلهُ ويعود أدراجه بليدٌ غليظُ الفكرِ... ذلك يُحدثهُ بأن البحث عن الحقيقة قد انتهى!! يقول له: ألا تعلم بأن الأوليين قد أصابوها؟ وتلك العُصبةْ تشجعهُ على إتباع راي الجماعة.. لا تشذ فإن العاقبة هي النار... ثم لا يشذُ عن الكسل... وتتحول تلك الطاقةُ الباحثةُ عن الحقيقة الى خرزاتٍ معقودةٍ في خيطٍ رفيع.. فتكون تابعةً ذليلة لأصابع الإنسان ... يحركها كيفما يشاء.. واحدة تلو الاخرى.. حتى إذا ما ثارت وتقطعت وتناثرت وسقطت.. سقطَ معها الكسل. أشرفت الشمسُ على الشروق، وتوارت النجوم خلف شُعاع الشمس الوهاج.. تنفس الصباح، ومدّ ضوءهُ على البسيطة.. صوتٌ حفيف الشجر يُحدثني بأنه يوم جديد... تبشر خيرا .. صوت آنين الباب ما زلتُ أسمعهُ.. لم أستطع النوم تلك الليلة، فالأحلام لا تأتي في النهار.


الكاتب: فيصل
0المفضلة
60 المشاهدات
0 تعليقات