في ذكرى رحيل شجرة الصفصاف
Feb 21, 2022 08:33 AM Feb 21, 2022 08:33 AM
في ذكرى رحيلكِ يا شجرة الصفصاف، تتوجّع الأرض، وتأبى السماء أن تُبلِّلني، وهاهي الجداولُ على حوافي تجِفُّ، منذُ أن رحلتِ وكُل فأسٍّ يتمنُّع الحرثَ في تُربتي، منذُ أن رحلتِ والزرع يموت، وجسدّي يجدِب. إنكِ ما نأيتي عني واخترتي أرضًا غيري إلا والحُزن يتلّبسني، والموت يرقبُني.. لماذا ياشجرة الصفصاف؟ لماذا تركتيني للجدِّب، للسُّهاد، لليباس. ما عاد يرومني مستظِل، وماذا أقول له؟ إن أتى يبحثُ عنكِ من ألفكِ في أرضي، وماذا أحدثه أأقول أنكِ وجدتِ بدلًا عني؟ ووجدتِ عزيزًا أعزَّ مني؟ وأنكِ رأيتي أن تضربي جذوركِ في أرض أخصبُ من أرضي وقاعٍ أشدُّ صلابةً من قاعي؟ لقد كان كُل شيءٍ يحِنُّ إليك، كل زرعٍ فيَّ تقلّد الذبول وأنِفَ الينوع في أرضي، هل كُنتِ تعلمين أنكِ أنتِ جوهرتي؟ وأنني أحيا بظلّكِ وبالطيور التي ألِفت أغصانك؟ هل كُنتِ تعلمين أنكِ سببُ إتزاني وإخضراري؟ إن كُنتِ لا تعلمين فهل تُعيرينني إنتباهكِ قليلًا فترينَ ما أنا فيه من ذبول وجدبٍّ وهُزال. لقد شاخت جوانبي في عامٍ ما لم تشيخهُ في الف عامٍ مضى! لقد تزلزلت أرضي أكثر مما تزلزلت في سنين العجاف. إنني أعيشُ في قحطٍّ تام، وموتٍ لا محالة قادم. لعلّكِ تحتفينَ بأرضكِ الجديدة، أو لعلّها هي تحتفي بك. ولا تُلام فمثلُكِ كالأحداث الفلكيّة لا تحدثُ إلا مرةً في العُمر، يا تُرى كيف هو الإحتفال؟ هل يجتمع الفلّاحون ويستظلون بظلّكِ هل يرقصون على غناء الطيور على أغصانك، أم أنكِ تتمايلين مع الرياح فُتحدثين تلك الموسيقى التي لا يعرفُ نغماتها إلا أنا. وصغيرتك! لقد علمتُ بأنكِ سمحتِ بأن يُلقوا بذورًا بجوارك ممزوجةً بقطعةٍ منك ومن الأرض التي وجدتِ فيها السَكْن والمودّة والرحمة! هل تُشبهك، هل حدثتيها عن الأرض التي نشأتِ في أحضانها، عني أنا هل فعلتِ؟ أم أنكِ طويتِ تلك الصفحة تمامًا وأغلقت ذلك الفصل من حياتك؟ هل أنا خطيئةً من خطايا عمركِ الطويل؟ هل مازلتِ باسقة؟ جميلة؟ اوراقك تزيّنك كما لو كُنتِ لوحةً فنيّة رُسمت بقلبِ فنانٍ ولم يستطع أن يترجمها واقعًا لشدّة جمالها ولعدم قُدرة العين المُجرّدة أن تشاهدك لأنكِ فوقَ التصوّر والإعجاز. هل تقاسمك الأرض عذوبة الماء؟ هل تجري الجداول التي ينعكس جمالكِ عليها، هل تتفيأ الأرض الجديدة ظلالك؟ وتُحسين بحنوها عليك كما كنت أنا أحنو عليكِ وأقاسمك بردَ جسور الليل، وقيظ هجير النهار؟ هل تكونُ لكِ ضَيّ وفَيّ؟ إن رحيلك عني كان كالسيف المُجرّد حول عنقي، لم يُريحني فينحرَني، ولم يبتعد فيتركني حيًّا، لقد استمرّ بخدشِ عُنقي فكُنت كمن يدور حول الرحى. فما لكِ أرتضيتِ لي هذا العذاب وماليَّ أتوجّعُ منذُ عامٍ لا أعرفُ للبَلَلِ طريقًا ولا للنجاةِ مسلكًا، علقِتُ بكِ يا شجرة الصفصاف، فلا شيء يُدنيني منك ولا شيء يُنئيني عنك. ياشجرة الصفصاف، يا عذبةَ الأوصاف، يا عديمة الإنصاف! قد أجحفتِ في حقي، وخُنتِ عهدي، فياليتَ شعريَ يُعبّر، وياليت قلمي يُنصف. هنيئًا لكِ الذكرى الأولى لسعادتك، وهنيئًا لي بؤسي وجفافي.


الكاتب: يعقوب العريان
0المفضلة
133 المشاهدات
0 تعليقات