• من مسرحية: فاوست الجديد.

    ( يخرج بارسليز ) فاوست : ماكان ينبغي أن أضيّع وقتي ووقته . هاأنذا قد رأيته فماذا أخذت منه ؟ الحل السخيف الذي اقترحه والمشاعر الرقيقة التي أبداها لي . لو كان صادقا لعرض علي أن يصحبني في الرحلة . أواه إن أحبابك ومحبيك لا بأس عندهم أن يعيشوا معك . أما الموت فإنك تموت وحدك . (يقرع الجرس فيدخل واجنر ) . واجنر : نعم يا سيدي . فاوست : اسمع . أريد الآن أن أخلو بنفسي ، فإياك ثم إياك أن تدخُل أو تُدخِل أحدا عندي ... واجنر : حتى لو كان بارسيلز ؟ فاوست : ولو كان بارسيلز . واجنر : ولو قرعتَ أنتَ الجرس ؟ فاوست : ( متضايقاً ) أوه ... لا تدخل إلا إذا قرعت الجرس . أفهمـت ؟ واجنر : نعم يا سيدي .. ( يخرج ) فاوست : ( يتمتم ) .. الآن أنت وحدك . عجّل قبل أن يجيء أحد ( ينظر إلى المصباح ) ، ما خطب المصباح ؟ كيف ترتعش ذبالته من غير ريح ؟ عجباً إني أشعر بوحشة غريبة ، رعشة تسري في جسدي كله كأنها دبيب ثعبان بارد أملس ، إنها لا ريب هواجس المنتحر .. الدوار الذي يعتري ( يأخذ قارورة السم ) .. هاأنذا قد اخترت .. أيتها الحياة .. هذا فراق بيني وبينك .. ( يظهر الشيطان في صورة بارسيلز فجأة ) الشيطان : انتظر يا فاوست .. فاوست : ويلك ، من أين اتيت ؟ كيف دخلت ؟ ماذا جاء بك ؟ .. الشيطان : تبا لك .. أ كذا ؟ تخذعني ، وتكذب علي ؟ فاوست : خبّرني أولا أين كنت وكيف دخلت ؟ الشيطان : كنت ذاهبا للقاء إيمي ..إذ خطر لي خاطر أقلقني عليك فجئت مسرعا إليك .. فاوست : هذا اللعين واجنر ، كيف سمح لك ؟ لأرينه الويل .. واجنر .. واجنر .. واجنر : ( يدخل ) نعم يا سيدي . فاوست : كيف دخل هذا إلى هنا ؟ واجنر : ( ينظر إلى بارسيلز فيدهش ) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، كيف دخلت يا سيدي إلى هنا ؟ فاوست : أجبني .. أنا الذي أسألك . واجنر : أنت تسألني يا سيدي .. وأنا أسأله . فاوست : كيف سمحت له بالدخول ؟ واجنر : أنا لم أسمح يا سيدي لأحد .. فاوست : فكيف دخل ؟ واجنر : لا أدري كيف دخل . هو يا سيدي أدرى بنفسه . الشيطان : دخلت دون أن تشعر بي . واجنر : مستحيل ، أنا كنت على الباب . ( يطيل النظر في بارسيلز ) الشيطان : كنت نائما فلم أشأ أن أوقظك . واجنر : لا تصدقه يا سيدي ، فقد كنت يقظا طوال الوقت ( ينظر إلى بارسيلز ) فاوست : ( متضايقا ) أيها الغبي ، اتركنا الآن . واجنر : سمعاً يا سيدي . ( يخرج ) فاوست : والآن ماذا تريد ؟ الشيطان : أريد أن أساعدك . فاوست : تساعدني أم تعطلني .. الشيطان : بل أساعدك . لقد جئتك بسم يميتك على الفور دون أن تشعر بأي ألم . ( يناوله جاما صغيرا ) فاوست : من أين جئت به ؟ الشيطان : من صديق صيدلي ، حلّفني على الكتاب المقدس ألا أبوح باسمه لأحد . فاوست : لكنك كنت تنهاني آنفا عن الانتحار . الشيطان : أجل ، ولكنك لم تقتنع بكلامي ، وأظهرت الاقتناع لتصرفني .. فاوست : وكيف عرفت ؟ الشيطان : بالاحساس الداخلي . فاوست : وعُدتَ لتنقذني بهذا السم القاتل ؟ الشيطان : نعم . إن كان لا بد من الانتحار فهذا السم أرحـب . خُـذ ... اشرب . فاوست : ( ينظر إليه في شيء من الارتياب ) لم لا ننتحر معا ؟ اشرب أنت أولا .. الشيطان : أنا لا أستطيع أن انتحر .. فاوست : لا تستطيع ! الشيطان :أقصد لا أريد . فاوست : ولا انا .. الشيطان : فاوست ما خطبك ؟ أتشك في حسن نيتي ؟! فاوست : ( يتقهقر عنه كالخائف ) مكانك لا تقترب مني .. الشيطان : تخاف مني يا فاوست ؟ فاوست : اي نعم .. ابق مكانك الشيطان : أي شيء فيّ يخيفك ؟ فاوست :كل شيء . الشيطان : ما كنت هكذا آنفا معي .. فاوست : أنا كنت آنفا مع صديقي .. الشيطان : أنا صديقك .. فاوست : كلا أنت عدوي .. الشيطان : أنا بارسيلز . فاوست : كلا ، لولا اعتقادي ان اشيطان خرافة ، لقلت إنك الشيطان .. الشيطان : الشيطان خرافة ؟ وملكوت الله .. ليس خرافة ؟ فاوست : ملكوت الله هو كل هذا الكون الذي تراه . الشيطان : ألا تؤمن إلا بما تراه أمامك ؟ فاوست : نعم . الشيطان : فاعلم إذن أنني أنا الشيطان . فاوست : ( ينظر إليه في تطلع وخوف ) الشيطان ! الشيطان : آمنت الآن ؟ فاوست : قاتلك الله يا بارسيلز ، ألا تكف عن مزاحك هذا البارد .. الشيطان : بارسيلز ، أنا الآن بارسيلز عندك ؟ فاوست : بغير شك . الشيطان : بغير شك . كيف إذن دخلت ؟ كيف ارتعشَت ذبالة المصباح ؟ كيف سرى في جسدك كله تلك الرعدة كدبيب الثعبان البارد الأملس ؟! فاوست : الخوف هو الذي أوحى لي بكل ذلك .. الشيطان : وكيف عرفت أنا كل ذلك ؟ .. فاوست : أوهَمتني بأنك خرجت .. ولم تخرج . الشيطان : ما أبرعكَ حين تنكر وجودي .. أترى عندك هذه البراعة كلها حين تريد أن تنكر وجود الله .! فاوست : بارسيلز ، إن كان ما حدثتني به عن حبيبتك وجنتك صحيحاً ، فطِر إلى حبيبتك وجنتك . الشيطان : هو الآن في طريقه إلى حبيبته وجنته .! فاوست : بارسيلز .. إن المزاح إذا طال مسُخ وباخ . الشيطان : ويلك ، إن الشيطان لا يمزح أبداً .. فاوست : لا تحاول أن تخذعني ، فإني أعرف حيلك وألاعيبك .. الشيطان : لو كنت تعرفها حقا لعرفتَ في الحال أنني شيطان .. فاوست : احلف لي .. الشيطان : بأي شيء أحلف لك .؟ فاوست : بالكتاب المقدس .. الشيطان : أأحلف بالكتاب المقدس .. إني أنا الشيطاان ؟! فاوست : لكنك لا تبالي بأن تحلف وأنت كاذب . إني اعرفك . الشيطان : من قال لك . فاوست : أنت لا تؤمن بالله .. ألبته الشيطان : ليتني حقا لا أؤمن به ، وا أسفاه .. ليس في الوجود من يؤمن بالله أشد من ايماني به فاوست : الآن اعترفت بأنك كاذب ، فالشيطان هو أول الجاحدين الملحدين . الشيطان : كنت أظنك من الخاصة لا من العامة . فاوست : ماذا تعني ؟ الشيطان : أنا عند العامة أول الجاحدين الملحدين ، ولكني عند الخاصة أول المؤمنين الموحدين . فاوست : بارسيلز ما خطبك اليوم ؟ إنك تقول كلاما عجيبا .. عجباً ! الشيطان : وأنت .. فيم إصرارك كله على إنكاري وتكذيبي ؟ فاوست : لا تتمادى في غيك فتزعم غدا أنك إله كما زعمت اليوم أنك شيطان . الشيطان : الآن وجدت البرهان القاطع الذي يثبت لك صدقي . فاوست : كيف ؟ الشيطان : من الناس من زعموا انهم آلهة ، وليس فيهم من زعم قط أنه شيطان .. فاوست : لعلك أول واحد من الناس زعم انه شيطان .. الشيطان : ما رأيت قبلك مجادلا عنيدا مثلك .. فاوست : لو كنت شيطانا حقا لغلبتني .. الشيطان : في بعض الأحيان يقوى الإنسان على الشيطان . فاوست : كما تفوقت عليه الآن .. الشيطان : يا هذا إنك بلبلت فكري .. بحق جهنم ماذا أصنع لك لتؤمن بأنني الشيطان ! فاوست : لا سبيل إلى ذلك . الشيطان : ألا تعلم بأن الشيطان يتشكل كيفما يشاء ؟ فاوست : سمعت بذلك .. الشيطان : فاقترح الآن في أي صورة تحب أن تراني ؟ **** فاوست : أظهر لي صورتك الحقيقية . الشيطان : لن تطيق رؤيتها يا فاوست .. ستفزعك فاوست : لا عليك من ذلك .. الشيطان : إني اخطب ودك يا فاوست وصداقتك ، فلا ينبغي أن أنفّرك . فاوست : لا صداقة ولا ود بين الانسان والشيطان .. الشيطان : الآن أمنت بي فشكرا لك ، أنا في حاجتك يا فاوست . ....... "

    الكاتب: علي أحمد باكثير

    0المفضلة

    55 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علي أحمد باكثير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من مسرحية: فاوست الجديد.