• من رواية: سيرة شُجاع.

    " وأشرق فجر اليوم الرابع فهب الناس في القاهرة وفي الفسطاط على سماع اصوات الصائحين ، وبأيديهم الطبول يدورون في كل حي وكل زقاق ، وقد اختلطت اصواتهم ودقات طبولهم بأصوات المؤذنين لصلاة الفجر وهم يرددون : بيان للناس في كل مكان . بأمر أمير المؤمنين العاضد لدين الله . " شاور " المخدوع قد عزل . وتقلّد الوزارة أبو الأشبال ضرغام . الأمان مستتب في كل مكان . ادعوا لمولانا العاضد بالنصر والتأييد . العمر المديد السعيد !!! وطفق أهل القاهرة يعلنون الفرح والاستبشار ، وانطلقت حناجر النساء ترسل الزغاريد ، واستعد كثير من وجهائهم وأعيانهم للسعي إلى دار الوزراء ليرفعوا تهنئتهم إلى الوزير الجديد ثم إلى القصر الشرقي ليعربوا عن ولائهم وإخلاصهم للعرش والجالس عليه . وكأي من شاعر أخذ يقدح زناد فكره ، وطفق يتصفح أبواب المديح والتهنئة من دواوين الشعراء القدامى ، يحرك بها قريحته ، ويلتمس الوزن الذي يروقه أو القافية التي يستحسنها لينظم قصيدته الجديدة على المنوال الذي يرتضيه ، وهو يمني نفسه بصلة من الخليفة أو منحة من الوزيهَبّ الجميع هكذا يعلنون الفرح والاستبشار لا عن حب للوزير الجديد أو إيثار له على سلفه الذي غرب نجمه ، ولا عن ولاء للخليفة أو إخلاص له ، ولكن بعضهم يفعلون ذلك جريا على العادة المتبعة في مثل هذه الأحوال من حيث لا يشعرون ، وأكثرهم يقومون بذلك خشية أن يعرف عنهوليس بوسع هؤلاء الذين يقيمون بقاهرة المعزّ أن يجاهروا بكراهيتهم للعاضد وأسرته ومذهبه ، ماضين في ذلك على سنة آبائهم وأجدادهم الذين كانوا يؤثرون السلامة بمجاملة هذه الأسرة ومداراتها أن يبطش بهم او تتعرض مصالحهم للسوء ، ولا سيما في عهود الأقوياء من خلفائها افكان أحدهم إذا ضاق ذرعا بهذه الحال . ولم يستطع بعد صبرا عليها . انتحل عذرا من الأعذار ، يترك به القاهرة وينتقل بأهله إلى الفسطاط مأزر السنة وملاذها العتيد وحصنها المنيع حيث يستطيع أن يستروح شيئا من نسيم الحرية . وإن كان لا يأمن فيها أيضا أن تمتد إليه يد ا

    الكاتب: علي أحمد باكثير

    0المفضلة

    44 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من علي أحمد باكثير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • من رواية: سيرة شُجاع.