صوفي مكتئب!
Mar 13, 2022 05:34 AM Mar 13, 2022 05:34 AM
كُنت قد غردتُ في حسابي على برنامج "تويتر" بتغريدةٍ في غُرة هذا العام، أقول فيها أنني أرجو أن يكونَ العام المنصرم هو آخر عهدي بالإكتئاب، ولأنني قد تجرّعتُ منهُ الويلات فما كان مني إلا أن ابدأ عامي هذا بهذهِ الأمنية! هذا وإنني للأسف لم أتمكّن من تحقيقها، فهأنذا ألِجُ الشهرَ الثالث من هذا العام ولم أزل أرواح في مكاني، لا أتقدّم ولا أتأخر! فالحمدلله من قبلُ ومن بعد. هذا المرض قد أهداني وعلّمني أشياء كُثر لم أكن لأتعلمها من غيرهِ، فقد تعلمتُ منه كيفَ أحمد الله على أدقِّ النِّعمِ وأجلِّها، وكيف أنني سأجدُ سعادتي في بعض التفاصيل التي لم أكن ألتفتُ لها، وأن الحياة جديرةٌ بأن تُعاش، ففيها العائلة المُحبّة وفيها الصديق الوفي، وفيها من الملذات الجميلة، كالإبداع الإلهي الذي تجسّد في جمال السماء، وروعة الأرض، وهيبة الجبال، وبهاء البِحار، وفيها الأصوات الجميلة، كغناء الطيور، ورنّة الأوتار، والمقامات الموسيقية العظيمة، والواح الرسّامين، والأفلام الخالدة. كُل هذا وإن اتفقتم أو اختلفتم معي فهو مصدرٌ للجمال، وموضوع للتفكُّر والتذوّق. بصورةٍ واحدة قد ينتقل المرء من حالةٍ سيئة إلى أفضل حال، من معزوفةٍ موسيقية أو دندنةٍ وترّية، ينتشي بِها المحزون فيُفرج عنه حزنه ويتبددُ إلى سعادةٍ عارمة. هذهِ الأشياء التي لا ننتبهُ لها ينبغي أن نشكُرَ الله على إهدائها لنا، وعلى جعلنا نتحسسُ معاني الجمال فيها. ونتذوق حلاوة الإبداع منها. ومع هذا فإنني لابُد أن أقول أنهُ لا يوجد أجملَ وأرقى وألذّ وأقرب إلى القلبِ من الإرتباط بالملأ الأعلى، فالروح مخلوقٌ علوي لا يُغيث يباسه ولا يُشبع جوعه إلا ذلك الإرتباط وذلك السمو، إلى تلكَ السماوات، عندما تعرجُ بها عبر الصلوات، والدعاء، والإبتهال وقراءة أو سماعِ آيات الله فإنها علاجٌ وشِفاء، لذّةً ووِصال، جُرعةً للكمال. تترقى بِتلك الأنفُس إلى ذلك الملكوت فتنتشي الروح، وتسمو النفس. حتى تصِلَ إلى أعلى مراحل الجمال الإلهي. جرّب أن تكونَ درويشًا يدور برقصةِ "سما" جرّب أن ترفعَ يدكَ لتتلقى الخير من المولى، وابسط يدك الأخرى للأرض كعلامةٍ على نشرِ ذلك الخير، البسَ عباءةً سوداء ثُم اخلعها كما لو كُنتَ تخلعُ شرّ الدُنيا والخلود لها، والبس عباءةً بيضاء تُعبر عن الخيريةَ التي تُريد أن تشِعَّ مِنك. ردّد ذكر الله في كُل دورةٍ، جرّب أن تعيشَ العشق الإلهي، جرّب أن تتجوّل في قواعد العشق الأربعون، وفي رحلة ابن عربي، تعلّم من دروس يونس إيمرة، وكيف أنهُ خلع نياشينه وحطّم أصنامه وغدا درويشًا يبحثُ عن العِشق الإلهي. قد تتعجبونَ الآن كيف ومنكم من قد يتهمني بأنني أحدثتُ في الدين ماليسَ منه، ومنكم من يقول لقد خرجَ عن الموضوع وتشعّب في العشق الإلهي، والرقص الصوفي. وأنا أقولُ لكم أنني ما عرفتُ ذلك كُله إلا بتجربتي مع الاكتئاب، فحاولتُ الخروجَ منه بأن جربتُ كُل الحلول، فتلذّذتُ بصوت فاطمة أم كلثوم، وتمايلت على أجراس الكنائس، وخشعتُ مع تراتيل الرُهبان، وعشتُ في اللاهوت أيامًا طِوال، تعلمتُ الموسيقى، تشرّبتُ الأفلام، ورقصتُ على الألحان الطربيّة، وحنيتُ ظهري في موائد الذكر، وأثنيتُ رُكبي في مجالس المحاضرات، تعلمتُ المقامات الموسيقية، ومقامات المؤذنين والقُرّاء. ومع ذلك هأنذا تُقيم يومي حبةً اتناولها كل يوم، وإن نسيتها عُدت لنقطة الصفر. تزداد الجرعة وحُقَّ لها أن تقِل. هذهِ نفحاتُ أو نفثات مصدورٍ أراد أن يسطّرها، فإن وجدتُم فيها ما يلامس ذائقتكم فخذوها، وإن رأيتم ما قد يؤذي فدعوها، فليست إلا كلمات حاولتُ بها تصوير موقفٍ عايشته وفترةٍ تجرّعت أيامها ولياليها. والسلام خِتام.


الكاتب: يعقوب العريان
1المفضلة
131 المشاهدات
0 تعليقات