لست أدري ( جــ 1 )
Mar 15, 2022 12:50 PM Mar 15, 2022 12:50 PM
محمد ماضى يكتب: لست أدرى على مقهى تقابل محطة ترام باكوس سائح أنا بين المقالات التى زخمت بها جريدتى وإذا بمن يجلس جوارى ينبهنى بصوت أجش " كلم يا فندى" فأنظر لأرى فتاة ثلاثينية ممشوقة القد فارعة جميلة المحيا أسيلة الخدين رقيقة الشفتان أما عيناها فنجلاوان يعلوهما حاجبين سابغين كأنهما خُطّا بقلم فوق جبين عريض واسع ينسدل فوقه شعرها الأسود الفينان فى طول واسترسال ونعومة ولم أدع مجالا للتساؤلات أن تسيطر على أقدامى حتى حملتنى اليها مبتسما : --تحت أمرك ! -- أنا اسمى ندى ولست من أهالى الإسكندرية وآتى إليها يوما واحدًا كل اسبوع وهذا هو يوم هذا الاسبوع وقررت ألا أضيعه كما ضيعت أياما قبله ولا أريد منك أن تساعدنى كى أعود لبلدتى كما أرى فى عينيك. عيناك التى هى سبب وقوفى أمامك الآن ولن أدعى أننى سأنصرف مسرعة عقب هذا اللقاء بل إننى سأطلب وألح فى طلبى أن تمنحنى من وقتك مايسمح لى بعرض قصتى عليك وليس المكان بمناسب لتلك الجلسة فما رأيك أن تقبل دعوتى فى أى مكان آخر تريده إلا مكانك المفضل .. ارجوك .. ارجوك . لم تتملكنى زهوة الذكورة التى تناديها أنوثة طاغية تصرخ بعمق فى وجهى ولم أشعر بفضولٍ لمعرفة الفتاة وقصتها ولكن شئ ما بداخلى يصر على أن هناك مشترك يجمع بينى وبينها وبدأ الإنجذاب يتسرب اليّ من عينى التى ترشقها بسهام من كل اتجاه فتارة سهم مسموم وأخرى سهم مستطلع موهوم . وأمام هذا الإصرار وجدتنى مندفعا ألملم حاجياتى تاركًا المكان غير عابئ لما سيحدث وجاء الترام وقبل أن اركب تيبست قدماى أمام حمرة الوجنات التى تبدت فجأة وكأنها بستان من مختلف الأزهار تجمعت فى لون واحد هو تلك الحمرة التى اختلط فيها الخجل بالفرحة والنشوة بعدم تصديق ما يحدث ولم أر تلك الشفاة الكريزية تتحرك حتى وصلنا لمجلسنا. وظل الصمت سمة للقاء ولكن لم تكن العيون صامتة فكل منا ينظر للآخر وكأنه يريد أن يشبع حواسه من الآخر ولكن لابد أن ينتهى هذا الصمت حيث لا شبع من هذه البراءة التى تمثلت فى وجه كله إشراق وعينان ترسل الى القلب دفئا وطمأنينة وشعور لم يعهده قلبى المسكين . إلا أننى آثرت أن أبدأ بالحديث قبل أن تلتهمنى نيران دون لهب أشتاق لها منذ زمن -- أشتاق لسماع صوتك ياندى! -- نعم ولكن قبل أن أبدأ أردت أن أؤكد لك أن ما سأقوله واقع لاعلاقة له بما ستقرر بعده وأرجوا ألا يؤثر سلبا أو إيجابا عليك. -- سلبا أو إيجابا !؟ .... تفضلى فعلا اشتاق لسماع ما تخبئين بقلبك -- بقلبى ؟ نعم انه قلبى الذى هزم عقلى ودفعنى لأن أقف أمام الجمع على محفل من الركاب لأقول لك ما قلت؛ قلبى الذى آثرت أن أجعله مقبرة لحب لم يكتب له أن يرى النور ولم أستطع البوح به منذ أكثر من عام . صدقت فإنه القلب وما يجره على الجسد من ويلات المرض نهارا والدمع والحمى ليلا وكل هذا تقتله الوحدة التى يستوجبها أن يبقى هذا الحب سرا دون امل. نعم إنه القلب الذى عشق فيك كل شئ ولن أدعى أنه الحب ولكنه العشق بكل معنى أو تعريف للعشق. فقد أصبحت أنت مدد الروح لكى تُبقى على الجسد حراكه وأصبحت النبض لهذا القلب الضعيف الذى يأبى إلا أن يسكنك بداخله . منذ أكثر من عام وانا أتابعك عن بعد وأرى فيك الحبيب والزوج والصديق ورفيق الدرب ودفعنى كبرياء انوثتى الى كتمان هذا الحب الذى ظل ينمو دون تدخل منك ودون إصغاء لتوسلاتى أن انتهى أيها الحب فلا أمل منك؛ وآثرت عندها أن تكون صديقا حتى أنهل من فيضك ما يرحم القلب ويؤنس الوحدة التى رمانى فيها حبك وتوصلت لمراسلتك- تارة بإعجاب وأخرى برسالة أمدح فيها رومانسيتك الطاغية التى لا تدل بحال سوى على عاشق متيم يبحث عن معشوقته ووجدت نفسى بين أحضان حروفك وأنا أمنى نفسى بأن الغد قد يكون أجمل بقربك وتشهد محطة ترام باكوس على ساعات الصباح التى أقضيها أتأملك وأنت لا شاغل لك الا جريدتك ثم قلمك وما تكتب وكنت أتوهم أنك ترمقنى بنظراتك من خلف نظارتك الشمسية التى زادتك وسامة غير أنها تحفى ماهو أجمل حتى عندما تغيب عن هذا المكان وتذهب لمكانك المفضل الذى شهد أجمل أيام قضيتها معك دون أن أجالسك وظللت على هذا الحال بأن أراك أمامى دونما إقتراب ولكن روحى تسبح فى فلكك تستجديك نظرة عساها تكون قبلة الحياة التى ترسلها لقلبى المتلهف شوقا للقاء ؛ وبين مكانك المفضل وقهوة (باكوس ) أصابنى الجنون فترة إنقطاع دامت شهور أقمتها كلها بالإسكندرية باحثة عنك دون جدوى أعيانى فراقك حتى فى المراسلات. فماذا عساى فاعلة وأنت أنت بكل من سواك فكلهم دونك ولا أنت إلا أنت . وحملت حبى ولوعتى وخيبة أملى وعدت لبلدتى لاتابعك مرة أخرى لا صاحب لى سوى الدمع والمرض نعم المرض تلك النظرة التى بدت فى عينيك مستنكرة مرضى أثناء غيابك تقتلنى ؛ أقسم أننى بالفعل مريضة بك وبسببك . وبعد أن استقرت حالتى داومت فى عملى الذى انقطعت عنه بانقطاعك عنى دون مخيلتى وقلبى فأنت الساكن الوحيد والشاغل الأوحد لهما . عدت للعمل لأراك اليوم أمامى ولم أستطع سوى أن أفعل ما فعلت وها أنا وقلبى بين يديك فأنظر ماذا انت فاعل بنا ولكن ترفق بقلبى وساكنه فأنت بداخله . لم تكن بهذا السرور تلك المصادفة التى القت على مسامعى تلك القصة التى أرانى فيها معك يا من سكنتِ القلب فأنا لم اهبك ما وهبتنى ندى بل أكثر وأغلى مما جادت به ندى على معشوقها البائس بك ومعك. أصغيت لها ولم أنطق بل إننى من شدة التأثر بما تروى من مأساتها أحسست أننى أنا المتحدث فإنها لم تترك تفصيلة واحدة مما حدث معك إلا وروتها إلا أنها توقفت عند حد المواجهة منتظرة قرار الإفراج عن مكنونها بعد ان خرج لتوه للنور كما تمنت هى أن يخرج ولكنه خرج حبيسا مغلول الأيدى على عكس ما حدث معك يافاتنة العقل والقلب والروح فقد أحببتك قبل أن اراك وعشقتك قبل أن اراك ومرضت بك ومنك دون أن أتلمس الحب بجسدك المرتعش للمساتى وأرى الهيام فى عينيك كما فى عينى بل اصبحت أنت أنا قبل حتى أن التقيك !؟ يالها من مسكينة تلك الندى؛ لكم أشعر بما يؤلمها فقد آلمنى هجرك لى رغم إعترافى بعشقى لك وذوبانى بداخلك ورغم إعتراف انتزعته من فمك أنك وقعت أسيرة لحبى إلا اننى لم أشعر يوما بهذا الحب الذى تزعمين. يالسخرية القدر !؟ هل جاءت ندى لتعترف بحبها لى أم لتوقظنى من غفلة أصابتنى بهوس عشقى لكِ ووهم أنك أحببتنى ؛ أشعر بدوار لم أعهده إثر تلك الصدمات المتتالية ؛ فبين صدمة أننى محبوب وأن هناك من يألفنى ويسكننى قلبه وصدمة واقع أعيشه بمرارةٍ معك تؤكده كل أفعالك التى تقر بوضوح أنك لا تحبيننى بل أحببتِ حبى لك وأنك عشقتى إهتمامى بك ؛ وها أنا اشعر بنفس ماشعرتِ به أنتِ فأنا الان فى نشوة لا تقارن بنشوة حديثى معك فحديثنا هو أقصى ما تحقق من امنياتى فيكِ. نعم أنا فى نشوة لا أستطيع وصفها فأنا محبوب انا معشوق؛ هذه الندى التى امامى تصرخ أنوثتها بحديث العشق فى وجهى " أنا ملك لك " وعيناها تستجدى نظرة من عينى وأنا اجالسها . أما أنت يا منية الفؤاد فأين منك ما أنا فيه الان ؛ لم أعهد منك سوى كلمات إن شئتِ فقولى أنها إرضاء لبحر لن ينضب من مشاعر فياضة ينثرها صوتى لتطوى المسافات لتستقر ... باذنك ! وترضى غرور قلبك ليس أكثر تجعلك تشعرين بساعدة أشعر بها الان . الان أنا التمس لك العذر أنك تتمسكين بى فعذرك هو عشقى لك الذى لن تجدى من يمنحك إياه بعدى. وهذا العذر سأتعذر به أنا أيضا كى أُشبع قلبى مما حُرم منه على يديك . سأترك العنان لقلب ندى كى يجوب وأنا بداخله كل عوالم العشاق وكلى ثقة أننى بهذا القلب الذى ينبض بإسمى ويتعبد عشقا لإرضائى سأبلغ سيّر الأولين فأنتِ يا معشوقتى لن تكونى يوما ليلى أو بثينة أو عزة كما كنت لكِ قيس وجميل وكثير . أما وقد وجدت من تستحق أن أجمع لها ثلاثية العشاق لاننى رأيتها تعشقنى بصدق ثلاثية المعشوقات لن أخجل أن اصارحك يا من عشقتها بالقلب قبل العين وهامت حولك الروح تذكرك بعشقى لك وتنهريها بتجاهلك لى ولها وترسل قبلات ملؤها الشوق واللهفة على وجنتيك فيقتلها شرودك وانشاغلك بغيرى وغيرها أصارحك بأننى ألآن أحيا ما حييتِ أنت على يدى . أعادت هذه الندى اليّ رشدى وأيقظت القلب من سباته الذى أصابه بعد أن سكنتِ بداخله فأصبح صدءً بطول سباته وها هى تتوجه ملكا فوق عرشها بل وتعلنها مدوية أمام الجمع بأنها مملوكة لقلبى دون سواه. لتسترح قليلا أيها القلب الشقى الذى أشقانى مع من لا يستحق ولتفسح للعقل مجالا كى يطبب جراحًا مازالت تنزف . ما كان منك يا ندى أحبر القلب قبل العقل أن يصبح أذن تسمع وعين ترى وشفاه تهمس لك على إستحياء معتذرة وأنا معها عن وقت انقضى مع من لا تستحق ؛عن شوق ولهفة ضلت طريقها وارتمت فى أحضان غيرك عن فكر وتفكير فى إرضاء من لم يرض بالكثير والكثير مما أغدقت عليه حبا وعشقا وكان قلبك ينتظر القليل وأقل القليل فأنت تستحقين كل الكثير الذى ضاع هباء بغباء ولك وحدك سأقولها يوما ما وسيكون قريبا فلن ينطقها اللسان قبل أن يهمس بها قلبى لقلبك وتسمعيها بجوارحك ... أحبك.... يتبع


الكاتب: محمد محمود رزق
0المفضلة
83 المشاهدات
0 تعليقات