طلقات القدر
Mar 16, 2022 09:06 AM Mar 16, 2022 09:06 AM
طلقات القدر ألف سالم التأخير عن الموعد كل يوم ولم يعد يهتم ولا يؤنب نفسه طالت الليالي وهو ينتظر في هذا الجرف الخطر على مدخل طريق القرية ينتظر المجرم الهارب وعصابته ، لقد مرت الليالي الطويلة وهو يؤدي نفس العمل من يوم أن انتدبته العائلة للمهمة الصعبة ، كان يرفع صوته فيهم : صعبة عليكم أما علي فلا . لم يكن يدري أن الأمر سيطول وأن الغائب معه حجته ، أخذ مكانه كالعادة تلثم واندس تحت كومة القش البالية ولم يترك فرصة حتى لعينيه التي اختفت خلف أعواد القش ترقب الطريق ، لا حس ولا خبر ، عزفت رياح الشتاء أول ألحانها على مقربة من أذنيه راح يتذكر معها ليلة البؤس والشقاء التي قتل فيها أبوه في الحقول القريبة من القرية ولحقه ابن عمه وزوجته حين أرادوا نجدته ، تحرك قليلا محاولاً تعديل وضع رقوده بما لا يؤثر على مراقبته للطريق، تحسس جنبه الأيمن تأكد من وجود المسدس الذي لم يره أحد منذ أن اشتراه ولا حتى هو نفسه ، كاد أن يضحك متذكراً يوم أن فاجأ البائع بسؤاله عن المسدس فقال له البائع العجوز : المسدسات سعرها مرتفع هذه الأيام انتظر بعد العيد . لكنه أصر على الشراء تلك الليلة حيث وعد أبناء عمه أن يمتلك سلاحاً بأسرع وقت بعد الحادث الأليم ، بل زادت ابتسامته اتساعاً لما تذكر الرجال الذين تمنوا رؤية المسدس فلم يحظوا من ذلك إلا برؤية بيته الجلدي الأسود اللامع فقط وطرفاً من كعبه المعدني ، قهقه سالم نصف قهقهة مكتومة في نفسه متذكراً صديق عمره حين قال له : يا سالم دعني أرى المسدس ربما خدعك البائع ، وأنت لم تكن يوماً من أصحاب السلاح ، والله أخاف أن يكون باعك مسدس صوت . كان سالم في ترقب مستمر تكاد أذنيه تخرج من مكانها حين يسمع حفيفاً هنا أو نباحاً هناك، ولم يكن يدري أن الليلة هي الموعد الذي طالما ارتقبه وسيتوقف عليه مستقبل سمعته وشرفه في القرية ، تمتم وهو يفرك كفيه نافخا فيهما بعض الهواء الدافئ : تأخر القمر الليلة كثيراً والكلاب لم تنم حتى الآن – حدث سالم نفسه . انطلق الهواء المسافر يجول المكان دوامات يرتفع صوتها وينخفض، وكانت دورته الأخيرة حول أذني سالم الذي كان بين نارين أن يخبأهما فينقطع عن العالم أو يستمع بهما ويلسعهما البرد . أحس سالم بأقدام من بعيد وجلبه وخفق قلبه على غير العادة واعتدل في جلسته بإخراج مسدسه الأسود الجديد وتأمله وتأكد من استعداده متذكرا ما تعلمه في مركز التدريب العسكري لمدة شهرين كاملين منذ تسعة أعوام ، لم يأبه كثيرا للهاجس الذي طرأ على فكره حاثا إياه على التريث وكأن صوتاً يهمس في أذنيه : جرب يا سالم المسدس ألا يمكن أن يكون فارغاً ؟ دفع سالم وساوسه بما أكده له البائع المسن الذي يطمئن إليه كل أهل القرية : حينما قال له المسدس جاهز وملقم بست طلقات، انتبه لنفسك وابتعد عن الأطفال . ومع اقتراب الخطوات وارتفاع الأصوات اقترب القلق والاضطراب ، و تدافعت الأفكار في رأس سالم يبدو أن الخائن وعصابته قد حضروا لنهايتهم، ذلك الجبان سيقتله الخوف " قال سالم لنفسه " لماذا لم يعد للقرية ولم ير أهله كل هذه المدة ؟ " ثم أكمل حواره المرتعش " ولكن أين سيذهب ولو كان معه ألف مجرم لن أتركه ، اقتربت الأصوات حتى أصبح يميز بعض الكلمات ، كاد التسرع أن يخرجه ليرحب بضيوفه ورئيسهم، ولكنه فضل البقاء حتى يقترب الصيد ويتمكن منهم ، المسدس صوت فقط ، هذا غير معقول تأكد أن هذه الجملة لم تخرج إلا منه حين صمت ليتأكد هل يحدثه أحد ، تلمس بيده قاعدة المسدس وأخذ يعالج بيت الذخيرة لم يتأكد بعد من نوع الطلقات شك في مسدسه وقدرته حتى أنه قرر أن يؤجل مهمته بعض الوقت لكنه كلم نفسه بصوت مسموع : لم يعد لديك وقت الفرصة بين يديك لا تتردد العمر واحد والرب واحد ، زحفت عليه أنفاس القادمين تبين من حركتهم أنهم فوق العشرة ، أصبح يبصر بعضهم كان سالم يعرف هدفه بحث عنه بين الأشباح القادمة أوشك أن يتعرف عليه ذاك المجرم البدين القصير لا يشبه غيره في حركته ومشيته ترقب سالم كثيراً حتى حانت اللحظة التي انتظرها طويلاً انتظرهم حتى استدار بهم الطريق وأصبحوا بعد المنعطف على طرف الجرف الضيق الذي سيسيرون عليه واحدا واحداً لا يتسع لأكثر من ذلك ابتسم سالم وصوب مسدسه نحو غريمه الهارب وصاح بأعلى صوته ليلتك سودا يا شبر ونص ثم أطلق بكل قوته كل ما في مسدسه من رصاصات ، وأطلق بعدها ساقيه للريح سالكاً طريقاً صعباً بين الوادي والجرف، وأخذ يجري وهو لا يرى شيئاً ولا يسمع شيئاً سوى أنفاسه اللاهثة وهدير واصطدام لم يتبين ما هو وكأن الجبل يرميه بالصخر والحجارة تخيل أن طلقاته قد كسرت الجبل وفتت الصخر لم يأبه بذلك ولم يتوقف عن الهروب الرهيب ، في صباح اليوم التالي كان الناس يتكلمون عن عشرة قتلى في بطن الوادي، ولم يتكلموا عن إطلاق نار ولا عن طلقات المسدس الأسود الجديد . د. سعد جبر-الرياض


الكاتب: دكتور سعد جبر
0المفضلة
80 المشاهدات
1 تعليقات