• سر بسام حجار

    ما هو السّر وراء بسّام حجّار؟ من أين يأتي هذا التأثير الخفي والساحر لهذا الرجل على كلّ من يقرأه؟ هو الذي عاش طيفاً صامتاً ورحل من دون ضجيج، لتكون لحظة رحيله هي، ذاتها، لحظة ولادة أبديّة. وكيف يكون للصوت الخفيض، الحيي، أن يظل مستمراً متصلاً في زحمة الأصوات المتدافعة نحو الضوء؟ تختفي هي بعد حين، ويستمر الصوت الحيي ليكوّن من ظلاله شيئاً أعمق من الضوء وأسطع حضوراً وانتشاراً. لم تكن لبسّام خطة، لم يهيئ لما فعله بنا مشروعاً (لطالما تبرّم من الكلمة)، كان سبيله لما تحقق من معجزةٍ بسيطاً وطبيعياً، كأيّ غدير ماء صافٍ أو شجرةٍ على رابية: صدقه وإخلاصه العميق لـ"الكتابة" و"القراءة" و"العيش اليومي" صعدت بالطيف ليرفرف فوق سماء الممتحنين بالحياة. قيض لبسّام نفس مُثقلةٌ بالمعرفة، توّاقة، تتخذُ من دأب القراءة والكتابة والترجمة مصلاً يُعالجها من ألم العالم. وهذا كان فوزهُ الشخصيّ ومنجاته وجائزته. لم يبحث عن "مردود" خارج عمل الكتابة ذاته، لذا جاءت أعماله صادقةً تخترقُ ذات قارئها بقوّة الحاجة إلى العلاج. كلنا أحسسنا أن ثمة شيئاً ما خفي يُنادينا في النصوص الكبيرة، جاذبية غامضة هي جاذبية هُوّة العذاب المشترك في أن تكون مرئياً ومتاحاً ومسلوب العزلة. السّر أننا صدقناه. لأنّه يشبه نفسه، ونصه يشبهه ويشبهنا. نصٌ يطلعُ من عصب التجربة الذاتيّة معزّزَاً بالقوّة الرهيبة للخوف والألم. كلُّ ذاتٍ مرعوبة ستجد في بسّام شريكاً يُناجي خوفها ويتواصل معه. كلُّ شجن يتعذب سيجد في بسام شجناً يتعذب من أجله، كتفاً مواسياً وحضناً معانقاً. ولأنه سافر عوضاً عنا في مشاغل الحياة، وابتكر من الكتابة بدعاً أصدق من الحقيقة بتعبير ليوناردو دو شاشا، صدقناه، وهذا سره. السّر أنّه عاشَ ومات طيفاً مفقوداً، والمفقود يُسعى اليه، وتبذلُ دونه الخطى والنداءات. قصيدة بسّام كون مصغر يحضر فيه كلّ شيء -بالقليل العميق- من أجل لا شيء، ألم يقل أنني أكتب لأمحو الأثر، أي أثر وكلّ أثر؟ غير أن شعره ترك أثراً ماثلاً يستمد تجدده من لا نفعيته. لم يرد بسّام شيئاً ففاز بكل شيء، وهو السبب ذاته الذي دفعني لمهمة جمع أعماله الشعريّة، رأيتُ فيه أمثولة للشعر الذي يمثلُ التواضع والصّدق والشفافية، أي كل ما هو جوهري وبعيد عن سطوة ودجل الشعر السائد بنفعيته وانتهازيته ولا جديته. الأعمال التي ظلت جواهر خبيئة متناثرة هنا وهناك، يسعى اليها المحتاجون فينالهم ما ينال المريد من شقاء جميل. "إنما أريد أن أكتب هذه الحياة التي قد لا تعني أحداً في آخر الأمر". لكنها بالنهاية عنتنا جميعاً. الإصغاء سبيلاً للسّر يُومئ بسّام أكثر مما يُصرّح، يُوحي ويُلمّح، لا يُحدد أو يَقطع، الشّعر عنده مطاردة ما لا يقال، شعرٌ أقربُ إلى الصّمت الذي ينتمي اليه هو نفسه، فقد كان مأخوذاً بالصّمت مُنشغلًا به عن سواه حتى استنطقه واستنطق صمت الأشياء حوله، ناشداً قول ما هو عصي على الإفصاح والبيان: "الشّعر هو ما لا يُقال في معرض الإفراط في قوله. لأن ما لا يُقال يبقى، هو وحده، بمنأى عن التكرار والهذيان (...) ربما كان الشّعر حد استقراء الصّمت. فقط". كان يرى أن ثمّة سرّاً ما داخليّاً في الأشياء من حولنا، الأشياء التي نراها قائمةً لكنها تتسربُ ببطءٍ نحو الغياب، كان يُلاحق هذا السّر، يحاولُ القبض عليه، وكان الإصغاء طريقته."أحاول أن أقترب قدر الإمكان من النبض الجواني للأشياء والوقائع البسيطة المحيطة بعيشنا، التي ترافقه وتصنع سياقه ومعناه". كان في كلّ شعره مخلصاً للإصغاء إلى الصّمت، من يستطيع جعلَ الصّمت شعراً؟ جواب هذا السؤال هو سرُّ حكاية بسّام حجّار "في لحظات الكتابة أحاول أن أصغي جيداً لما يكمن وراء المظهر الرتيب، وعندما تصغي تتعلم. تتعلم أمراً أكيداً هو مقدار البلاغة الذي ينطوي عليه الصّمت. كل ما أكتبه أعتقد هو محاولة لاصغاء من هذا النوع، ثم استكشاف لا ما تقوله اللغة، بل ما تضمره أو لا تقوله". أكانت مهمة مستحيلة؟ وهل الشّعر إلّا محاولة القبض على اللا شيء. الركض في صحراء المعنى لقول ما لا يُقال؟ ظلّ بسّام يُلاحق المضمر والخفيّ والمحذوف من الوجود كمن يُلاحقُ شبحاً، وهو يرنو بجناحه لسماوات عالية كان يبرهن، بهدوءٍ، على قدرته في تخطيها كلّ مرّة، وطبعاً من دون ضجيج البطولة. كان يمضي أعلى وأبعد من الشّعر واللغة والحياة "اللغة أكثر اتساعاً من أي حياة، والحياة أشد كآبة أو فرحاً من أي لغة". وسيظن متابعٌ بأن هكذا هدف (قول ما لا يقال) يحتاج إلى حشد معجمي، ومواكب من القصص واستفاضة باستخدام الموضوعات، وأن الشاعر سيسخّر وفرةً من الكلام يتوسله لتحقيق مراده، وهي عادةٌ شائعةٌ في الشّعر العربي؛ الاستطراد والكثرة والإسهاب. لكنه طرق هدفه ناشداً موضوعات محدودة بعينها، ظلَّ يعود اليها مرّة بعد مرّة، وكان ينجح دائماً في إيجاد شيء جديد يقوله، كان معجم قصيدته ضيقاً، أو هو أراده كذلك، ربّما لأن لا شيء يستحق القول لمن أدرك، ولا كلمات تُطيق ثقل الشعور بعذاب المعرفة، "خشيتي من الوفرة والاتساع جعلت مني كاتباً بمفردات قليلة. وقد أحصيتها..، فلم أعثر منها إلّا على اثنتي عشرة مفردة". اعتقدَ بسام أن 12 مفردة تفي لقول العالم في "مُقترب أوّلي"، وآمنَ بإمكانية هذه المفردات على التوالد "إلى ما لا نهاية". إن جوهراً مهماً من خصوصية بسّام شاعراً أنه حقّق بكلام قليل (تعبيراً عميقاً) عن حياة قليلة أو كثيرة. تكفي نظرة لإيقاظ حب خالد، تكفي رفة جناح فراشة ليخفق قلب الغابة. ... السّر أنه ما من سر إلا احتراق العمر، في صمت، بجمر التجربة

    الكاتب: علي محمود خضير

    0المفضلة

    19 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    بسام_حجار 

التعليقات (0)

المزيد من علي محمود خضير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • سر بسام حجار