• ومازال صغيرًا يا أمّاه!

    ينتهي من اداء الصلاة، يلتفُّ إلى المصلين، يحني رأسهُ خوفًا من نظر الناسِ إليه وهربًا من الرياء، يُنهي اذكاره بسُرعة يحاول القيام وتخطّي جموع الذين يلتّفون حوله. ذاك يهنيء بالشهر الكريم، وآخر يشيد بجمال الصوت، وآخر يحاول أن يستفردَ بهِ لمسألةٍ، مع عجلته إلا أنهُ يُعطي كُل شخصٍ حقّه، فيحيي هذا، ويرد التهنئة لهذا، ويسمعُ شكوى ذلك.. يُعاني! ولا تُرى في عينيه أثر المُعاناة، بل لا يسمح أن تنتقل معاناته إلى هؤلاء الذين يتكأون على ثباته! ثابتًا يبدو! رغم أنه يعرفُ أنهُ أوهن من بيوت العناكب.. يحاول أن يظهرَ للجميع أنهُ ملجأ وأمان لهم.. كُل رجالات الحي ونساءه! يحملُ همهم! ويحاول أن يُساعد فقيرهم، ويصلح سيئهم، ويوفّق بين المتخاصمين منهم، ويرجع المرأة لزوجها، والأبن لأبويه! بالكلمة الحَسَنْة، والموعظة الحكيمة.. إنهُ جبلٌ من الهمِّ تجسّد في هيئة بشر. هاهو أخيرًا يتخطّى الجميع، يعدّل "شماغه" ويُصلح هندامه.. يخرجُ من الباب الجنوبي للمسجد.. ليجدَ تلك المرأة، تنتظرهُ فيقفُ لها وقوفًا طويلاً يسمعُ منها شكواها، من أكدارِ الحياة.. أقفُ بعيدًا أنظرُ ماذا يفعل وكيف يتعامل مع هذا الموقف، فأنظرُ إليه مُرخيًا سمعهُ لها، ومطاطئًا رأسهُ إلى الأرضِ يخاتلها النظر بحياء.. "أبشري يا أمي.. على خشمي.. أبشري" بهذهِ الكلمات تعود المرأة العجوز ادراجها وقد انقشعت تلك الغمامةُ السوداء واستحالت إلى بيّاضٍ وسرور.. هكذا طيّب خاطرها هذا الرجُل المعطاء! إن كان يُرضيه هذا القول! ثم هاهو أخيرًا يتوجّه إلى بابِ مصلى النساء، تلقاه امرأة أخرى لكنّ هذهِ المرة يُقبلُ عليها يقبّلُ يديها، إنها أمه! نعم.. أم ترى في عينيها بريق الفخر، وفي قامتها شرفُ الخلف، تودّ من فرحها أن تصرخَ أمام الجميع، هذا ابني! فلذّة كبدي حملتهُ في رحمي، وغسلته بيدي.. ولعبتُ معه طفلاً، وهاهو الآن.. يُصلي بنا، ويحمل همّنا.. انظروا لفتاي الصغير! وما زال صغيرًا يا أمّاه.

    الكاتب: يعقوب العريان

    0المفضلة

    70 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من يعقوب العريان

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • ومازال صغيرًا يا أمّاه!

    المزيد من يعقوب العريان

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة