• الروح الطيبة

    ذات ليلة هادئة, وكنتُ لم أزل طفلا في السنة السادسة من عمري حينما انطلقت أصواتُ صرخات من أحد البيوتات في منطقتنا , وكعادة الناس ركض الكل وركضتُ معهم باتجاه مصدر الصوت, لِاستكشاف الأمر, وصلنا أحد البيوت ودلفنا في فناءه وبالكاد تمكنت من احتلال موطئ قدم في الصفوف الامامية المزدحمة, لأشاهد امرأة عجوز مُسجات على أريكة دون حراك, وثمة نسوة تجمعن عند رأسها رحنَ يتسابقن في نثر شعورَهُنَ وضرب صدورهنّ وخمشِ خدودهنَ, وفي غضون لحظات تجمهر كلُ أهالي الحي والاحياء المجاورة, فقد كان الموت آنذاك نادرا وله هيبة و وقارا, وكان أشد المتأثرين بموتها هو أحد أبنائها, الذي فقد السيطرة على رباطة جأشه وراح يضرب ويكسٍر كل ما يصادفه في طريقه حتى حاول كل رجال الحي السيطرة عليه ولكنهم فشلوا بعد أن أشبعهم ضربا وعضا وهو يصرخ : ماتت أمي ..ماتت أمي.., كان المشهد حزينا ومؤلما للغاية, فليس هناك فاجعة اكبر من فاجعة موت الام. بالكاد أمسك به بضعة رجال أقوياء وأسقطوه أرضا, سيطر أحدهم على يديه وأخر جثم على صدره, واخرين جلسوا فوق رجليه, وتوقع الجميع أنّ ثورة غضبه انتهت وأنّ قواه قد خارت, ولكنه أنتفض فجأة من بين أيديهم وبدا كثور هائج في حظيرة أفلت من الذبح, ونهض بكل عزيمة بعد أن نفض الرجال من حوله, وحولهم الى عصافير طائرة, وراح يركض بكل الاتجاهات وكرشه يركض أمامه فقد كان صاحب كرش كبير, والرجالُ يركضون خلفه للحاق به, وأخيرا اتجه الى السُلّم الذي يقود الى سطح البيت, وفي هذه اللحظة صاح رجلُ طاعنُ بالسن وهو يراقب المشهد: يا جماعة, أتركوه يُعبِرُ عن حزنه ليرتاح, وفعلا توقف الرجال عن ملاحقته, وأكتفوا بالتفرج عليه, وصارت عيون الجميع تراقب أفعاله. وصل الرجل الى السطح ووقف على حافته مُشرِفا على الحديقة, كان ما يزال يصرخ :أمي ... أمي .. انتظرَ أن يصعد إليه أحدهم ويُنزلهُ بأمان إلى الاسفل, كانت عيونه كأنها تتوسل الناس أن ينقذوه من الموقف لكن دون جدوى, وهنا صاح به ذات الرجل المٌسِن : أرِنا ماذا تريد أن تفعل إن كنت رجلا, ولن نمنعك !!, وهنا أحسّ بحجم المأزق الذي وضع نفسه فيه وهو يقف على حافة السطح مُكابرا , كان جسمه يرتجف وبدا عليه التعب. ولكنه صار في موقف صعب, وعليه حسمه, فأما التراجع وتحمل الفشل أمام عيون أهل الحي, وأما المكابرة والقفز للأسفل حفظا لماء الوجه, وتحمل النتائج التي قد تكون وخيمة !!. ساد الصمت المطبق المكان بعد أن توقفت النساء عن العويل والصراخ, وحبس الجميع أنفاسهم وهم يراقبون حتى حركات رموش عينيه, وصار هو يتلفتّ الى الاسفل كمن يبحث عن مخرج للمأزق الذي وضع نفسه فيه, وأخيرا لمح في الاسفل زيرا فخاريا كبيرا مَمْلُوءً بالماء, حيث لم تكن كل البيوت عرفت الثلاجات بعد, مشى على حافة السطح بخوف وحذر كمن يمشي على حبل رفيع وأسفله تماسيح جائعة, وصلَ الى نقطة على حافة الشرفة مكنتهُ من الوقوف فوق الزير مباشرة, نظر في وجوهنا كأنهُ يودعنا, وقفز الى الأسفل قفزة رشيقة تشبه قفزات لاعبي الفريق الأولمبي الصيني للقفز الى الماء, وقع الرجل بوسط الزير, دون أن يصاب بأي أذى. نهض مجددا والماء ينزُ من كل جسمه وصاح بالحاضرين: كان عليكم أن تمنعوني من القفز, ولكنكم تركتوني لتتفرجوا عليّ وأنا أموت !!, وهنا انطلقت ضحكات الجميع, وتحول موت العجوز من مناسبة للحزن الى لقاء للفرح, فأي روح طيبة تلك التي غمرت الحاضرين وحلت عليهم, وهي تصعد الى بارئها راضية مرضية؟؟.

    الكاتب: دكتور محمد علي شاحوذ

    0المفضلة

    48 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    ارواح 

التعليقات (0)

المزيد من دكتور محمد علي شاحوذ

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الروح الطيبة