• في بستان إقبال "2"

    دونَ عصري كلُّ سرٍّ قد خَفِي .... ما بهذا السّوقِ يُشرى يوسُفي و ككلّ الذين يحبون الجمال ذهبت للقاء يوسفه . و من أمام قلعة دمشق و من قرب النّصب التذكاري للقائد الفاتح صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه ، مشيت في الطريق الذي يوازي القلعة من الشّمال و ينتهي بالمدينة القديمة ، ثمّ يقتربُ من جامع بني أميّة و ما عليك إلا أن تنـزوي إلى اليسار قليلاً لتكون أمام دار الكتب الظاهريّة التي بناها الملك الظاهر رحمه الله . هنا وتحت شجرة الصنوبر العالية و على مقربةٍ من بركة الماء التي تتوسّط الدّار و بتعبير أهل دمشق ( البحرة ) كان يجلسُ أمين المكتبة ، أتيت إليه و طلبت منه كتاباً _ أيّ كتابٍ _ لمحمد إقبال رحمه الله . ( الأسرارُ و الرّموز ) كان أوّل كتابٍ لمحمد إقبال تكتحلُ به عيني . و كان الكتاب يضمّ منظومتين و هما : أسرارُ الذّات و نفيُ الذّات . و لقد نظمهما محمد إقبال رحمه الله باللّغة الفارسيّة و ترجمهما إلى العربيّة الدكتور عبدالوهّاب عزّام رحمه الله و الذي كان سفيراً لجمهورية مصر العربيّة في باكستان . و في الطابق العلوي للمكتبة حيث قاعة المطالعة بدأت الصّلةُ بين معلّمٍ عظيمٍ و تلميذٍ هو أنا . و من العسير عليّ أن أشرح لهفتي حينها لأن أقرأ لهذا الإنسان الفريد و كأنّني أنا المعنيُّ بقولِ إقبال في كتابهِ هذا : إنّ في قلبكَ معشوقاً ثوى .... أقبِلنْ أُنبئكَ عن هذا الجوى و قد أقبلت و القلب ينبضُ حبّاً و الروح تفيضُ شوقاً ثمّ استهلّت العين بالدموع عند أوّل بسم الله الرحمن الرحيم . تماماً ومن أمام النافذة الكبيرة المطلّة على فناء هذه الدّار ، و الذي تغسله حبّاتُ المطرِ المتساقطةُ حينها ، و لكن بعد أن تمرّ بأوراق الصنوبر الخضراء و كأنها تستأذن بالدّخول ، و ماءُ البحرة الصّافي يعلنُ فرحه بالضّيف فيحرّكه الطّرب . في هذه الأثناء ارتفع أذانُ العصر من الجامع الأموي و قد صدحتْ به رابطة المنشدين بدمشق و شدتْ به مئذنةُ العروس و التي تكاد من قربها و كأنّها تطلُّ على دار الكتب مسلّمةً على كتّابها و قرّائها . ياالله ...... ما أبدعَ ريشة المولى و هي ترسم تلك اللّحظات . قلتُ في نفسي : لو أنّ الجمالَ اختُصرَ في زمانٍ لما عدا تلك اللّحظة . و لو أنّه اختُصرَ في مكانٍ لما عدا دار الكتب الظاهريّة . حينها كنتُ أقرأ : ليسَ في أعوادِ غابي سَقَطٌ .... هي للمنبر أو أعوادُ صلب و هذا البيت للشّاعر الفارسي نظيري النيسابوري وقد افتتح به محمد إقبال ديوانه ( الأسرارُ و الرّموز ) . محمّد إقبال ليس كأيّ شاعر تنتهي نشوته ببيت القصيد ، أو يعلنُ تعليقَ مهمّته عند اكتمال القصيدة ، و لكنّ فلسفته كانت أبعد مدى من كلّ هذا . كان يثبت ذاته المؤمنة في كلِّ نادٍ للفكر ، و كانت ثقافته تنطلق من نفسه القائمة بأمر الله لتختارَ مكانها في كلّ محفل . و كان يرى أنّ على المسلم أن يعرّفَ العالمَ بهويّته و أن يبصّر الناس بما لديهِ من إرثٍ عظيم و بما يحمله بين جنبيه من سموٍّ روحيٍ و حقيقةٍ خالدةٍ ألا و هي حقيقةُ الإسلام . فكان يقول : ( إنّ مقصد حياة الإنسان ، أنْ يُفني نفسه في الحياة المطلقة كما تفنى القطرةُ في البحر . و لكنّ هدف الإنسان الدينيّ و الأخلاقيّ : إثباتُ ذاته لا نفيها ، و على قدرِ تحقيق انفرادهِ أو وحدته ، يقربُ من هذا الهدف ) . و لن تكتب الحياةُ الكريمةُ للمسلم في هذه الحياة _ كما يرى إقبال _ إلا إذا صدرَ إلى العالم من مشكاة الحق و اليقين ، و لن يصلَ إلى ما يرجوه من غايةٍ إلا إذا بلغت ثقتُه بالله منتهاها . ( إن فرديّة الإنسان تنقصُ على قدر بعده من الخالق ، و الإنسانُ الكامل هو الأقربُ إلى الله ) . فعلى المسلم أن يكون صاحب حقيقةٍ في هذه الحياة ، حقيقةٍ تبدأ ُ بالأنا المؤمنة في نفسه لتصله بعد ذلك بالله ربّ العالمين . و يرى إقبال أن الأنا المسلمة هي الفكرة العاملة في هذا الوجود و إنّها تأتي و تأتي معها أمّة الإسلام عن يمينها و شمالها و أمامها و خلفها . و لن تبلغ نفس المسلم منـزلة الاختيار إلا و هي تملك هذه الحقيقة السّامية ، حينها و حسب تجسرُ على مواجهة قوى الصّبيعة و تسخيرها في خدمة هذا الدّين الحنيف . ( فإذا قهرت الذّاتُ كلّ الصّعاب التي في طريقها بلغتْ منزلةَ الاختيار ، و مقصدُ الذّات أن تبلغَ الاختيارَ بجهادها ) . إنّ محمد إقبال و هو صاحب الفكر الثّاقب و القلب المؤمن و النظرة الصّائبه لا يريد أن يبقى متفرّداً بهذه الصفات الطيبة في أمةٍ نام أهلها عن الحقيقة الكبرى ، بلْ يريدُ من كلّ مسلمٍ أن تكون في فؤاده الحرقةُ ذاتُها ، وأن يأتي من جديد ليبدأ سيرة التبليغ في هذا الوجود . و هاهو يهيب بكل من تشرّف بحملِ الشّهادة الأولى أن يسلك معه طريقه الإيماني لبلوغ المرام ، فقد آن الأوان لأن تتفتّق الأكمام عن أزهارها ، و أن تنكشفَ الأصدافُ عن جواهرها . فتأمّله و هو يقول : ما فشا ذا السّرّ قبلي في البشرْ .... لم يثقّبْ نــاظمٌ مثلي ا

    الكاتب: أنس الدغيم

    0المفضلة

    79 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    #في_بستانِ_إقبال #أنس_الدغيم 

التعليقات (0)

المزيد من أنس الدغيم

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • في بستان إقبال "2"