التكثيفُ والتداولُ والنزعةُ الإنسانية
May 4, 2022 10:38 AM May 4, 2022 10:38 AM
جاسم الصحيح، قيمة شعرية بارزة اليوم، يؤكد ذلك: 1- تعدد وتنوع إصداراته واستمراريتها. 2- حصوله على الكثير من الجوائز. 3- مشاركاته الواسعة وحضوره في أكثر من بلد. 4- تداول أشعاره بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تكشف عن حجم المقروئية للشعر عامة، ولشعره خاصة. الكتابة حول شاعر بحجم جاسم هو مأزقٌ حقيقيٌّ لكل قارئ جاد، إذ يقف أمام تجربة ثرية ومتنوعة داخل الديوان العربي، وحين يأخذ بمقارنتها بتجارب الشعراء الآخرين، سيتبين الفارق الكبير بينهم، ليس على مستوى المعجم الشعري فحسب وإنما أيضا في قدرته الفذة على تطويع رؤاه النفسية ومزجها بالعام والمشترك لدى الجماهير. هذا المأزق، أو هذه الإشكالية، تصيب الدارسين عموماً، وللتغلب عليها يُلجأ إلى تحديد اتجاهات الكتابة، وهو ما سيتم الاعتماد عليه، إذ ستتم مقاربة تجربة جاسم من ثلاث نواحٍ، هي: 1- الإنسانية. 2- الشاعرية. 3- التداولية. الإنسانية: ثمة رغبات وأهواء، وحاجات يود الشاعر التعبير عنها، وإبرازها، فهي صفة بارزة في النوع البشري، ولن تجد بشريًّا يشذ عن القاعدة؛ إلا حين يفقد القدرة على التواصل، فهذه النزعة، وهذا التعبير عن الذات في داخله، يظهر في أشعار الشاعر، باعتبارها أحد أشكال التواصل. الشكوى، الألم، الحب، الخوف، التوجع، التأوه، الندم، البهجة، وغيرها من المشاعر الشخصية والإنسانية تظهر بوضوح لدى الشاعر جاسم الصحيح، وإن اختلطت وتمازجت بالكتابة الإبداعية، إذ سيظل أحد أبناء البشر، يصيبه ما يصيبهم، ويؤلمه ما يؤلمهم، ويبهجه ما يبهجهم. لعل المقدمة الطويلة والثرية التي قدم بها ديوانه "ما وراء حنجرة المغني" يمكن اعتبارها تمثيلا صادقا وأمينا على النزعة الإنسانية والامتزاج بالهموم اليومية، سواء الشخصية منها حيث تتعلق بـ(أزمة منتصف العمر) والانتقال من عقد لعقد في الحياة، أو الاجتماعية حيث الشكوى من الحياة والوجود. قصائد (أزمة منتصف العمر) تمثل إحدى أبرز الإسقاطات الإنسانية في شعر جاسم، إذ تحوي قلق الوجود، ومعاناة الحياة، والرغبة في مجاوزة السائد، ناحية عالم مختلف، يكون أفضل وأجمل، وأكثر تنوعاً ومقبولية، وهذا ما يطمح إليه أبناء البشر، ويسعون تجاهه بكل قوة وعنفوان. كما أن قصيدته في استعادة تجربة الشاعر ابن زريق البغدادي، تعدّ امتداداً للاتجاه الإنساني؛ حيث يلقي أعباءه عن كاهله، وينظر إليها من منظار شاعر، استطاع التعبير عن دواخله ونفسه والأزمة الوجودية التي اعترته وعانى من آثارها ونتائجها، فليس غريباً أن يكون ابن زريق الأقرب إلى نفسه، والكاشف عما فيها من اعتلالات وخلجات. أصدقُ تمثيل نصادفه على المستوى الإنساني هو قصيدة (مضغة منكَ خانتك) بتكرار لازمتها: "فشل في الكُلى"؛ التي كتبها أثناء مرضه ومعاناته، فهي دليل واضح على نزعته الإنسانية، وطريقته في مشاركة أحزانه مع بقية البشر. الشاعرية: الاتجاه الإنساني؛ اتجاه نفسي يتعلق بالذات ويبوح بمكنوناتها ومشاعرها ورؤاها وينثرها أمام الملأ، أما الاتجاه الشاعري؛ فيلجأ إلى تكثيف الحضور الاجتماعي، والغوص بداخل أعماق المحيطين، متعمقا تجارب الحياة، وممتزجا بكل ما يحيط به، ثم يعمل على تكثيفها من خلال عبارات شعرية. الشعراء قديما اعتمدوا هذه الرؤية وإن اختلفوا في الكيفية والتناول، فحين يصرخ طرفة بن العبد: "وظلم ذوي القربى أشد مضاضة / على المرء من وقع الحسام المهند"، فإنما يخبر عن أزمة اجتماعية، لا تتعلق بذاته فحسب، بل يعاني من نتائجها الكثير من الناس، وكل ما قام به تلخيصها وتضمينها شعره. أيضا زهير بن أبي سلمى حين يتحدث عن الكهولة والموت والحياة: "سئمت تكاليف الحياة ومن يعش / ثمانين حولا لا أبا لك يسأم" فإنما يقوم بتلخيص رؤية الناس، وكيفية النظر للحياة، فالذي يعيش طويلا لا بد وأن يصاب بالملل، فما قاله يستند على هذه القيمة الاجتماعية، حيث قام بتلخيصها وتكثيفها داخل عبارة شعرية. جاسم سليل المدرسة الشعرية وأحد أبنائها البررة وحامل لوائها في زماننا الحالي، فليس بغريب أن يتمثل خُطوات سابقيه، وينضم إلى طريقتهم، فيعمل على تكثيف الشعور الجمعي للجماهير والرغبة في زوال أمر أو تحقيق آخر، في عبارة شعرية تُلخص وتوجز. فمثلا قصيدته التي عارض بها عينية الجواهري حين يبدؤها بـ: "حملت جنازة عقلي معي / وجئتكَ في عاشق لا يعي" فهو يعمل على تكثيف الشعور الجمعي وتلخيص الواقع الحياتي للجماهير من ناحية نعي العقل واستعارة الجنازة له، إذ استقر في أذهان الناس أن عقل العاشق مغيب، وغير موجود إلا على استحياء. كذلك حين يُقرأ بيته الرائع: "وإذا زاد عاشقٌ قَل طاغٍ / فاعشقيني لكي يقل الطغاة" فإن الذهن يتوقف أمام تعبير (يقل الطغاة) وهي مطلب الجماهير، وما تجذر بداخل لا وعيهم، وشعورهم، حيث اقترن وجودهم بالظلم والتخلف والاستبداد، فجاسم عمل على تكثيف هذا الوعي الجماهيري، ومن ثم تلخيصه في عبارة شعرية موجزة. التداولية: هذا التلخيص لوعي الجماهير، واجتراح عبارات شعرية، يقود إلى كيفية التلقي والاستقبال، فالشاعر قد يُعرف ويُشتهر بينهم ببيت من الأبيات، إذ يتم تداوله باعتباره لازمة من اللوازم وحكما نهائيا، وغالبا يتم استخدامه في موقف من المواقف المشابهة، ما سيجعله يجري مجرى الحكم والأمثال. في العربية وعلى يد شعرائها برزت الكثير من الأبيات المشهورة والمتداولة والتي أصبحت ذات قيمة ثقافية، فظل الناس يتذكرونها، ويتذكرون صاحبها على الدوام، كما هو بيت ابن كلثوم: "ألا لا يجهلن أحد علينا / فنجهل فوق جهل الجاهلين"، فهذا البيت يتوسل ناقلُه والمستشهِد به اتخاذ موقف أو رأي تجاه قضية من القضايا، فيجري مجرى الأمثال والحكم. الشاعر جاسم الصحيح لديه أكثر من بيت حاز شهرة وانتشاراً، حيث أصبح كلازمة من اللوازم مثل بيته: "كل النساء أحاديث بلا سند / وأنتِ أنت حديث لابن عباس" فالقيمة التداولية لبيت الصحيح هي قيمة الصدق في الحديث وعدم المراوغة والكذب. أو مثل بيته: "وعلمني السقوط ببئر نفسي / بأن الماء في الأعماق أحلى" حيث القيمة التداولية تتمثل في العودة إلى الذات والانكفاء على الداخل لمواجهة ظروف الحياة القاسية واكتشاف لذاذة العيش، وكأنه يضع القارئ بين اختيارين (الخارج / الداخل) مسائلا ذاته ومستبدلا أحدهما بالآخر (الماء في الأعماق أحلى). ختاماً: تجربة الشاعر جاسم الصحيح ثرية ومتنوعة وتحتوي العديد من الاتجاهات وحصرها في اتجاه واحد ظلم للتجربة والشاعر، ولذا جاءت المقاربة متنوعة ومبرزة أكثر من اتجاه، حيث تم التركيز على الجوانب النفسية والاجتماعية والتداولية.


الكاتب: محمد الحميدي
0المفضلة
90 المشاهدات
0 تعليقات