زجاجة مياه معدنية
Jun 6, 2022 12:18 PM Jun 6, 2022 12:18 PM
"زجاجة مياه معدنية " === " لقد أوشكت أن تُكمل عامك الخامس و الخمسين, أراك لا زلت تخسر كل يوم صديقًا, كأنك في سباق محموم كي تخرج من هذه الحياة صفر اليدين من الأصدقاء و الأصحاب!" لم تزد المسافة بيننا على نصف متر و ربما أقل, فكنت أنظر لعينيه وأنا استمع لكلماته السابقة, استشف ما وراءهما, أبحث بشغف عن ذلك الرجل الذي عرفته منذ بعيد. لقد جمعتني به و بغيره صدفة لن تتكرر. لكن الآن وهو يحادثني لم أره, ربما هو بشحمه و لحمه, غير أنه لم يكن من عرفت من قديم, بل ربما هو لم يتغيّر و أنا الذي تغيّرت و رأيت الصورة أكثر وضوحًا. أو ربما كانت الصورة واضحة ثم انطمست بعيني في الوقت الحاضر!, أتراني على خطأ و هو على صواب؟ أم العكس؟ تساؤلات كثيرة طافت ببالي و أنا أجلس أمامه, تتوسط بيننا طاولة صغيرة ليس عليها غير " زجاجة مياه معدنية" يمرح الهواء في نصفها. ثم غادرت المجلس و أنا أعيد كلماته في عقلي, أرجّها رجًّا, أتدبّرها بهدوء, قلت: هل خسارة الناس مهارة على المرء أن ينمّيَها و يُعلي من شأنها دومًا! لكن, أي خسارة تلك التي تلحق بي منذ سنوات بعيدة. غادرت المكان و حديثه يلاحقني: ستجد نفسك وحيدًا, تركب رأسك على طول الخط, ترى نفسك صوابًا و الباقيين على خطأ, خطيئة أن تؤمن بأفضليتك على الآخرين. لم أجد بدًا من أن أعود إليه, وجدته يشيح بوجهه, يتحاشى بصري المصوّب إليه, اقتربت أكثر, أخبرته: أنا الأقل شأنًا بينكم, الخاسر الأكبر منذ عقدِ من الزمان. لم أسع إليكم, بل أنتم من أتيتموني حبوًا على الأيدي و الرُكب, تعرفون جيدًا شروط اللعبة, تعون أنني لا أتنازل مطلقًا عن قاعدة" الهجوم خير وسيلة.." فما الجديد فيما فعلتُ؟ هل خرجت عن القواعد؟ بصوت خفيض ردّ عليّ: رجاء غضّ الطرف قليلًا, فخسارة يسيرة لن تزيد من معاناتك, فأنت سيدنا في هذا المجال, نضرب بك المثل في طول الصبر على المكاره, تغبط قدرتك الرائعة على المكوث على قارعة الطريق ترقب السيارات الفارهة, تحفظ أرقامها الطويلة, تعيد تلاوتها بذاكرة حديدة .حتى أنني رأيتك أخًا غير شقيق ل" حُنين" صاحب الخُفّين. تعرف طبعًا حكايته ! تجاهلت الفقرة الأخيرة من كلامه ,قلت بأسى: تبحثون عن الشكل؟! فأجابني: الحياة قصيرة, بلغ بنا الوهن ما يُعجزنا عن الحركة الصحيحة, لك أن تقودنا لبر أمان نرتضيه, لكن دون أن تقتحم بنا دوّامات من تلك التي تدمن الغوص فيها, دون أن تهبط بجزر لم تطأ أقدام بشر عليها من قبل. قلت بضجر, بقرف من لا يملك رفاهية النظر في وجه قبيح: استقالتي سألقيها بوجوهكم. - ستخسرنا جميعًا, الكُفر بعلاقتك بنا أقرب للخروج من الملّة, هي خسارة ما بعدها خسارة, فاحذر! فقلت: لكم دينكم ,ثم ما خسارتي إن خسرتكم؟ صمت, تحجج بمكالمة واردة إليه, نهض من كرسيّه, انطلق إلى غير بعيد, يتحدث, يهمس. فتركته و شأنه, غير بعيد تهادى إلي صوت مستحب, بلحن منغّم شجي على الأذن يقول:" بيكيا"


الكاتب: محمود حمدون
0المفضلة
48 المشاهدات
0 تعليقات