شيبتان
Jun 17, 2022 12:31 PM Jun 17, 2022 12:31 PM
شيبتان ( قصة قصيرة) [1-2] أذكر صباح ذلك اليوم بوضوح . كنت أهِم بتناول شريحة من الخبز بعد أن غمرتها بالقليل من مربى الفراولة و الزبدة . كان أبي يدعي قراءته للصحيفة . تنبعث من وجهه رائحة كولونيا ما بعد الحلاقة ، التي كانت تزعج عيني وجيوبي الأنفية . " أتدري ماذا يصادف اليوم ؟ " ابتدرني أبي بقوله . " كلا ، أخبرني أنت ، ماذا يصادف اليوم ؟ " رددت عليه باستغراب بائن . " من الآن فصاعداً سنتبادل الأدوار " قال بطريقة غرائبية أبقت طابع الغموض مخيماً . " نتبادل الأدوار ؟ .. إذن ، دعني أضع الأمور في نصابها ، أتريد أن تصبح الإبن وأن أصير الأب ؟ " ما زالت علامات الغموض ترقص في معالم وجهه برقصات لا أعرفها ولا أظن أنها موجودة أصلاً ، كانت حمى التساؤل تقض مضجع تفكيري . التهمني الهم وأنا أرمق والدي الكبير في سنه ، نمت له شيبتان الآن ، ما عاد صغيراً ، تبقت له شيبة واحدة من أجل أن يرحل عن عالمنا ، شيبة واحدة فقط . انقطع حبل أفكاري بعد أن تململ والدي أمامي لهنيهة ، محاولاً إعادة الأمور إلى نصابها بطريقته الخاصة . " اتعلم ، ما يعجبني فيك خيالك الخصب ، لكم يسرني أن أمنحك القليل من المعلومات دون إسهاب ،لأجعلك تجدف في محيطات الخيال محمولاً على قارب الرغبة الحقيقية لرؤية ما وراء الأشياء " " رؤية ما وراء الأشياء " رددت , برشاقة و بخفة لم أعهدها من رجلي الكبير ، صاحب الشيبتين ، أمسكني من يدي وأشار إلي بإغماض عيني حتى يطلب مني فتحها ، وبعد أن بلغنا مقصده . استوقفني وطلب مني أن أفتح عيني . فتحتها . أصابني انقباضٌ في قلبي وأنا أرمق المرآة في غرفة المعيشة ، وابي ذارفاً دمعاً حارقاً . صرت من الآن فصاعدا في عداد الكبار ، وأبي صار في عداد الاموات . كانت الحقيقة صافعة حقاً . لم أعرف طعم المسؤولية في حياتي . متى يعرفها الفتى ؟ *********************** *********************************** سأتولى إدارة مصنع الطلاء . قال لي ابي في الاسبوع الماضي ، ان مصانع الطلاء في طريقها إلى إجازة استخدام الصبغة السوداء . " لولا ان الليل اسود ، و ان الاطفال يولودون من ارحام امهاتهم بشعور وعيون بحدقات سوداء ، وجلودٍ سوداء ،لكنا استخدمنا هذا اللون كسُبّة ! " في الماضي حاول الاسلاف ان يستخدموا الصبغة السوداء كاكسير للحياة ، لتاخير الاجال .لسوء الحظ عجلوها . كان الاسود عدونا اللدود غير الخفي ..اللعب معه على المكشوف دائماً ، لم نراهن معه على الحياة ..على الأقل عائلتنا التي ننتمي لها ، سلمنا للامر شيبة وشيبتان فموت . لا شيء شيق ولا مثير للإهتمام ، هل ثمة حياة اخرى بعد الشيب ؟ لا نعلم ، ولا نريد حتى الخوض في هذه النقاش . يقول الاطباء في المذياع ان علينا ان نتحلى بهدوء الاعصاب و ان نلتزم بشرب مزيج عصير الليمون والثوم . لانه يقوم بتاخير نمو الشعر مع عدم استخدام الحناء لانها تجعل الامر اكثر سوءا . ****************** ******************************** عدنا للمرآة مجدداً . صار لأبي ثلاث شعراتٍ شائبة ، لم يعد له الكثير ليحياه ، على الأكثر سيعيش لشهر ، إن جادت عليه يدُ الأقدار اللئيمة ، أما الآن فعلي أن أكسر لعنة الشيب : وحدي . الصبغة السوداء ستعود . كرهت الصبغة السوداء وكل الاصباغ . لماذا تتوقف الحياة بسبب لون ؟ مثلاً إذا خسرنا الدماء الحمراء فنحن ميتون أيضاً ، ما معنى كل هذا العبث ؟ إذا خسرت الغُدران خضرتها ماتت . حتى الحب ينبغي أن يكون له لونٌ ما ، يعيش به و تنفس لأجله ، حتى إذا ما فقده ما : مات . إنه أمر ما فيزيائي و ميتافيزيائي . تراه ولا تراه مثل الزجاج النقي ، مثل الأحقاد . أعتقد أن لون الحقد غيرُ صاف ،أعتقد أن لون الحقد هو مزيجٌ عكر لكل الألوان غير المريحة في العالم ، حتى إذا تبدت إليك أصابك الكمد و اعترتك السمية و الامتعاض . أنا الآن ناقم . حزين للأبد ...


الكاتب: محمود دمور
0المفضلة
59 المشاهدات
0 تعليقات