• A.T.M

    " A.T.M " ===== عرجت بطريقي على ماكينة صرف نقود أو تلك المسماة اختصارًا " A.T.M ", إذ تذكرت أن بحسابي رصيدًا يتجاوز الأربعين جنيهًا بقليل, فقلت لنفسي مبررًا تصرف التاجر الشهير حين يُفلس: هو حق ليّ, ما ضاع حق وراءه مُطالب. غير أنني عندما اقتربت وجدت لفيفًا من الناس, بعضهم أعرفه حق المعرفة, فهم يعملون معي بجهة عملي, انسابت بيننا نظرات مودّة مقتضبة, كلمات ترحيب على استحياء وتوجس. تلاقت الرؤوس حتى من يراها من أعلى يظنّها خيمة سوداء, تتضاءل كلما بعُدت المسافة بين الرائي والماكينة حتى تصبح نقطة شديدة السواد, كتلة بشرية محسوسة تنضغط بشدة في بقعة مكانية صغيرة, هؤلاء يجتمعون على غاية ظاهرها الرحمة وباطنها دون ذلك بكثير. وجدت أحدهم يقول بحبور وهو ينظر لبطاقة الصرف في يدي: اتفضل يا باشا, مثلك لا ينبغي أن يقف في الصف, ثم تخلّى عن مكانه , تنحّى جانبًا وهو يشير إليّ بيمينه أن تقدّم ولا تخف! أجفلت من حديثه, بخاصة عندما تذكرّت أن المتبقي من مال خلف الشاشة " الإليكترونية" لا يسمن ولا يغني, مبلغ لا يدعو للزهو بقدر ما يثير الرثاء, فأحجمت عن التقدم, انزحت بجسمي لليمين فجأة, بحركة مسرحية لا أعلم من أين أتتني ولعلها رغبة دفينة في أداء درامي, قلت للزميل: عار أن آخذ ما ليس لي, سأقف في آخر الصف حيث مكاني, هكذا النظام ينبغي أن يخضع له الجميع.. جملة مقتضبة ألقيتها في بنبرة خطابية, رحت أتفحص وجوههم لأرى تأثير ما قلت! لكنه, لم يعر حديثي أهمية, عاد من جديد وأقسم عليّ بغليظ ايمان أن أتقدم الصف والجميع من خلفه يؤيدونه, بأصوات تداخلت فشكّلت غيمة كبيرة من اللغو أحاطت بي من كل صوب, لكني استرددت المبادأة من جديد, رددت عليه قسمه وغاليت فيه ما وسعتني قريحتي وقدرتي. بات الصراع واضحًا للعيان, فهو يظن والناس من حوله من أعرفهم ومن أراه للمرة الأولى, أنني بلؤم متأصل بداخلي أبخل عليهم جميعًا برؤية رصيدي المصرفي الكبير, حتى أن صوتًا انسلّ قائلًا بغلظة: " يا عم مش ها نحسدك والله, ربنا يزيدك, لكن وقفتك معنا هكذا لا معنى لها ولا ضرورة"", ثم تعالت الهمسات تكرر نفس المعنى بعبارات مغايرة بعضها يحمل سخرية وأخرى تنهش وتلدغ برفق أو بقسوة. لكنّي كنت بواد آخر, كمن مسه طائف, فقد استقر يقين بداخلي أن الباقي من ضآلته يرتفع لمرتبة العورة التي ينبغي الحرص على مداراتها عن العيون, فاستمسكت بموقعي بنهاية الصف, تجاهلت العيون حولي بدثار من " ليبرالية" لا يطيقها الناس إلاّ شكلًا, فبدوت في نظرهم " دون كيشوت", آخر يجاهد بينما يغط المجاهدون في نوم عميق. ذلك حالي أو بالأدق حالنا حين أصبحت ماكينة " A.T.M " , كعبة نحج إليها مرغمين كلما هلّت بوادر الأشهر الميلادية, نتحلّق حولها كجيش من هوام يلتفّون حول جيفة, لا يردعنا هجير أو صقيع. الأمس القريب كان ميقات المعركة للوصول للمرتب, زحام رهيب, طابور طويل لا يغني عن حدوث تدافع, تلاصق يعقبه تلاسن, ثم تلصص على " الشاشة", فرغبة محمومة لدى كل فرد أن يعرف " كلمة مرور" من أصابه الدور في الوصول, شغف أكبر لمعرفة الرصيد المتاح, نظرات شك و ريبة تساور الجميع حيال بعضهم. ينقسم الواقفون حولها إلى فئتين: أصحاب وجوه مكفهرة, غاضبة, يضيق بهم المكان, لا تطيقهم الألة" فسرعان ما تبصق إليهم بالمقدّر و المقسوم من نقد مستحق, فيخرج كلّ منهم قابض على جنيهات قليلة في يمينه, بينما شماله تفرك بشدة "إيصال" سحب المبلغ, يكوّره, يلقيه في وجه الوجود. يقذفه في الهواء ثم يُتبعه بعينيه و هو يسب و يلعن. نحن جميعًا نعرف ما يقول, كلما أصاب أحدنا الدور إلاّ وقال مثل قول ذلك الرجل. بينما طائفة أخرى قليلة العدد, وجوهها ناضرة, لسعيها راضية. تعرفهم بسيماهم, نستدل عليهم حين يرتفع أزيز "الماكينة" لفترة حتى تنتهي من العد. مدة زمنية تطول حتى يصيبنا ملل, يضجر حارس " البنك" فيعبث بجهاز " اللاسلكي " في يده, يرعش شاربه وهو يذكّرنا بالالتزام بالدور, لا ينسى أبدًا أن ينبهنا إلى ضرورة أن نحمد الله على نعمة الأمان, ذلك الذي يفتقده آخرون, يشير بيده لبعيد جدًا. يقول لنا كل مرة أشياء كثيرة عن بركة تحل في القليل, أن خطيئة الشيطان في تمرّده على حاله, ثم يعيد فتل شاربه و الاستيثاق من استوائه تحت أنفه الغليظ. "يغيب العدل عن هذه الحياة, ضاقت المعيشة علينا ", عبارة أفلتت من بين أسنان شيخ على المعاش, كان يقبض على" معاشه", قالها أثناء عبوره للطريق. رأيته ينظر حوله بيأس, تزيغ عيناه بشدة, يرقب, سيارة "أجرة" كانت قادمة من بعيد, تنهب الأرض بسرعة غريبة. كطلقة رصاص مسوّمة, تعرف طريق ضحيتها. التقت أعين الرجل و السائق فترة لم تزد عن ثانية, بعدها انفرجت أسارير أحدهما, غامت الرؤية أمام الآخر, ثم أطبق على الطرفين ظلام مُهلك .

    الكاتب: محمود حمدون

    1المفضلة

    69 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    story 

التعليقات (0)

المزيد من محمود حمدون

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • A.T.M