• أبي….هذا العظيم

    لا أزالُ أرى وجهه متهللا وهو يدخل غرفتي مرددا ''شبابي اذا كنت لا أستطيع أحقق فيه منى أمتي وإن كنت لا أستهين الصعاب لأبلغ فيه الى القمةِ فلا كان هذا الشباب العقيم ولا كان زهوي ولا قوتي ولا كنت يوما حليف الحياة إذا كنت أحيا بلا عزةِ وهبت شبابي لشعبي الأبي وأمجاد أمتيَ الغالية لمجد العروبة في العالمين ووحدتها كل أيامية لمن كان في أمتيً في الحقول يجوع الى اللقمة الجافية يذوّب في ساعديه العروق ويسفح من جسمه العافية" كان إلقاؤه رائعا إلقاء من تشرب وجدانه بهذه المعاني وانغمس فيها ثم فاض بها علي لتتغلغل في داخلي بايقاعها الجميل وموسيقاها العذبة ووطنيتها أو قوميتها الهادرة. لم أكن أعرف عيسى الناعوري حتى وقت قريب جدا رغم أنني أحفظ هذه الأبيات عن أبي رحمه الله منذ أربعين سنة ولم أقرأها في كتاب من قبل . كان أبي رحمه الله من جيل النكبة وجيل النكسة ، نكبة فلسطين عام ٤٨ وهو عام مولده ثم نكسة ٦٧ حين أنهى الثانوية الزراعية كانت هذه الحقبة الناصرية مفعمة بمشاعر القومية والتحرر والتخلص من نير الاستعمار وكان للادب المقروء والمسموع دور حماسيٌّ هام وكان التعليم لا يزال عبقا بالآصالة والفخامة والروعة التي تجعلنا نبكي اليوم حزنا على المحتوى والمضمون ونعرف كيف يضيف الجامعيون ياء للفظ الجلالة في القسم ويصل إن الشرطية بفعل المشيئة ويضيف لضمير المخاطبة ياء المخاطبة وهلم جرا وكان أبي كلما دلف إلي ردد علي -لا أدري عن قصد أو غير قصد- شذراتٍ مما حفظ أو سمع "كان حلما فخاطرا فاحتمالا ثم أضحى حقيقة لا خيالا عملٌ من روائع العقل جئناه بعلم ولم نجئه ارتجالا إنه السدُ فارقبوا مولد السد وباهوا به الأجيالا " هكذا أحفظ الأبيات من الذاكرة ولم أحققها ثم تارة أخرى يقول لي في فخرٍ وزهوٍ نقلا عن المنفلوطي " الانسانية العامة .. ليس لصاحب وطن من الأوطان أو دين من الأديان أن يقول لغيره ممن يخالفه في الدين والوطن أنا غيرك فيجب أن أكون عدوا لك وتكون عدوا لي …ولا ينبغي للانسان أن يحارب أخاه الإنسان فإن كان ولابد محاربه فليحاربه مدافعا لا مهاجما" " الخلق هو شعور المرء بأنه مسؤل أمام ضميره عما يجب أن يفعله وعما يجب أن لا يفعله" من هذا الرجل العظيم البسيط تعرفت على شعراء عظام وقصائد رائعة ونادرة يعز أن تعثر عليها اليوم ولا أدري لم؟ عرفت المنفلوطي والرافعي واحمد رامي واحمد محرم وشوقي والبارودي وحافظ ابراهيم ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة وابراهيم طوقان وهاشم الرفاعي وحافظ ابراهيم وكان القاسم المشترك لهم جميعا جيل النكبة والقومية العربية إن نظرة واحدة لكتاب الأدب والنصوص المقرر على دبلوم الزراعة في الستينات كافية أن تبين لك مدى النهضة وأثر التعليم في الأجيال وكيف يمكن أن يمتد أثره عبر أجيالٍ متعاقبة عودة إلى جيل النكبة والنكسة هذا الجيل العظيم الذي كتب عليه أن يتجرع مرارة الصراع ونتائجه الحلوة والمرة ليخرج من رحم تلك الشدائد صلبا قويا ممانعا ومقاتلا في سبيل الحق ثم ليخوض غمار حرب الاستنزاف مجندا حتى النصر أو الاستشهاد لتنتهي خدمته العسكرية بنصر أكتوبر العظيم ويمحو عنه عار الهزيمة ومرارة الانكسار على الأغلب أن أكثر أبناء هذا الجيل أصبحوا في رحم الأرض ومعهم آلاف القصص والأحداث التي سمعنا عن بعضها وغاب أكثرها معهم رحم الله من مات منهم وبارك في عمر من حي رحلوا ولم تزل آثارهم المعنوية والأخلاقية والوطنية في نفوسنا باقية وقد صنعوا جيلا رائعا موصولا بهم ويصلهم بمن خلفهم ولا شك عندي الآن أن أبي وكثيرا من أترابه كانوا يقصدون أن يلقوا في ضمائرنا ما ماجت به نفوسهم وجاشت به مشاعرهم وهم يقرأون أدب النكبة ويحفظون قصائد التحرر والاتحاد هكذا تظل ذكرى أبي في وجداني كلما قرأت وكتبت حرفا لتؤكد لي أن هذا الجيل لم يكن جيل النكبة بل جيلا منكوبا ولكنه صنع النصر وانتزع حريته من الاستعمار وحقه من المحتل ثم سقط وقد أعد جيلا يحلم بالنصر ويحمل مشاعل الحرية

    الكاتب: خالد مطير

    2المفضلة

    154 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    النشء في والأدب الشعر تأثير 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • أبي….هذا العظيم