sun flower
Sep 3, 2022 07:39 PM Sep 3, 2022 07:39 PM
كنت أهرب من الصف، وأجلس على سياج المدرسة، منتظراَ خروجي مع الصالحين. عندما ضبطني أبي أكتبُ شِعراً، أعطاني كتاب ألف ليلة وليلة : من يومها ابتدأت رحلة البحث عن «قوت القلوب». من يومها وأنا أتدفق من خواطر الينابيع، ومع دموع الصبايا : تمسحُ عنّي مناديلُ الأمهات غبار سفر طویل، رأيتُ فيه مئات البلدان، وأنا جالس بين أحضانهن. عشت في الكهوف، وأكلتُ العشب مع الحيوان في البراري : ارتعشتُ من البرد، وسجدتُ للبرق، ثم انتشرتُ في الرعد: خدمتُ في المعابد، وعثروا على وجهي في ألواح الطين عندما رسمتُ محبوبتي على جلد الزمن : صعدتُ الفرات، ومعه انفجرتُ في كل فيضان : حاربتُ مع السومريين في أور، قاتلتُ مع البابليين ضدّ البدو، ثم سَلَبت لُبّي امرأة آشورية، وتوارت في زحام مدينة نينوى، فبكيتُ حتى سالت دموعي في دجلة، وطافَ بي طائفٌ من الهُيام فهربت وحيداً، حتى وصلتُ إلى آخر نقطةٍ في الزمن: رقصتُ كثيراً مع زوربا، و جلستُ طويلاً تحت شجرة بوذا: طفتُ مع عُرفاء ومتصوّفة، وطرتُ في الهواء مع المجانين، لكن صوفيا لورين أغوتْني، في الظلام، فقفزتُ إلى الشاشة، وأقنعتُها أنني الرجلُ الذي كانت تبحثُ عنه في فیلم «sun flower) . طردوني من السينما لأنني كنتُ ولداً وقحاً، فخرجتُ من الأحلام إلى العالم، ومعي قبلةٌ جادَ بها فمُها الخارق، لكنني لم أصل إلى البيت ، رغم أني سلكتُ نفسَ الطريق الذي أتيتُ منه. كان أبي قد مات عندما وجدتُ السبيل إلى مقهاه، حيث كان يجلسُ الجنودُ الهاربون من الثّكنات. كنتُ أريدُ أنْ أضعَ الحقيقةَ بين يديهِ المُتعبتين من حفر الأنفاق في السجون. كنتُ أريدُ أنْ اشكرَهُ لأنه أفسد حياتي. كنتُ أريدُ أن أشرحَ له خُلاصةَ العصور، فـ «قوت القلوب» لم تكن غيرَ إينانا السومريّة : مفقودتي التي تشعبثْ روحُها بين الدخان والحرائق. و حين حاولتُ أنْ أقصَّ الحكايةَ على عُشاق هائمين مثلي، صَعقتني معرفتي، وفقدتُ القُدرةَ على النُّطق، فلم أجد ما أفعلُهُ سوى أنْ أعودَ لأجلسَ على سياج المدرسةِ ، مُنتظراً خروجي مع الصالحين..


الكاتب: عبدالعظيم فنجان
0المفضلة
76 المشاهدات
0 تعليقات