مخطوطة الأعشاب الغامضة
Sep 15, 2022 08:39 PM Sep 15, 2022 08:39 PM
أتونابشتم/ بورتريه شعري مثل نبي جُنَّ من مقالب شعبه، أقطع الليل جيئة وذهاباً، رغم أني كتبتُ ما قد رأيتُ : هي رؤيا تجلّت لي وحدي، في لحظة نادرة، فأخلصتُ لها. الطوفانُ نثر، وهو يقتربُ، والهروب شِعر، وما من مَهرب إلا الخيال : لا غابة أو بستان في هذه البلدة، وأنا لم أجمع خشباً لبناء السفينة. - «إذهب إلى الجحيم أنتَ والشِعر والطوفان، أما نحن فسنعتصم بالجبل». وما من جبل، وهذا ما يجعلُ الأمر محيّراً: لم أدّعِ الشِعر، فأنا عادةَ لا أخبرُ أحداً عمّا أكتبُ، مع ذلك فهم يخنقون الاشراقة، ويؤدون أدوارهم بإتقان يبعثُ على الجنون. - «لماذا تفعل بي هذا، يا إلهي ؟ » صرختُ في معابد «شروباك » * لكن لا يبدو عليه أنه كان يسمعُ، وسط سيل الحجارة : ينبجسُ من مَسام الجدران ومن النوافذ، وأنا راكعٌ أمام تمثاله الضخم، فخرجتُ حزيناً ويائساً إلى البيت، ثم جلستُ القرفصاء في زاوية نفسي. استغرقتُ طويلاً في التحديق إلى مخطوطةِ هذه القصيدة. ربما توغلتُ عميقاً في داخلها : حفرتُ الليلَ والنهارَ ومشيتُ، محاطاً بقبائل الأرق، حيث لا أرضَ هناك ولا سماء، حتى خُيّل إلي أني قد اخترقتُ العصور، فرأيتُ ما رأيتُ: جلجامش، في الأخير، منهوشَ القلب، يطرق بابي، بحثاً عن سرّ الخلود. مَن يفهمني ؟! إنّ الأمرَ ليس سوى تلك الأعشاب الغامضة في أقاصي الباطن ، تنمو فتأخذُ شكل قصيدة. آه، مَن يقنع هذا المجنون أنّ الشاعر ربانٌ يتخلى عن معرفته بالبحر، طلباً لمتاهتِهِ الخاصة؟ مَن يُقنعُهُ أنَّ الشِعر يُلقي على أكتافِهِ الهزيلة، أمتعةً ثقيلة جداً ، قبلَ أن يمنحَهُ موهبةَ العبور فوق مياه الأبديةِ، وحیداً؟! _______________________ (*) شروباك : المدينة التي كان يسكنها أتنونابشتم - نوح البابلي، والتي فيها تلقى أمر بناء السفينة .


الكاتب: عبدالعظيم فنجان
0المفضلة
26 المشاهدات
0 تعليقات