أخبار المرأة التي سافرت على مركب أتونا بشتم
Sep 17, 2022 02:10 PM Sep 17, 2022 02:10 PM
المرأة التي سكنت الطابق الأعلى من البيت، التي لجأت إليّ هرباً من الطوفان، والتي قالت موضحة ، بعد أن شاركتني قنينة الفودكا، وأنهتها بجرعةٍ واحدةٍ : «لا تهمني النجاة، ولا الغرق : يهمني هذا» وأشارت إلى قلبها، الذي سمعته يخفقُ بالمطر، ويضخُّ عاصفته ، ریاحَه، في كل الاتجاهات.. . كانت مُسافرة على مركب أتونا بشتم، لكن سجائرها نفدت هناك، إضافة إلى أنها رأت الناي، الذي حفر ثقوبَهُ بدموعها الحارة طافياً فوق المياه ، فألقت بنفسها، عارية، إلى لجّة الموسيقى التي لا يمكن أن يتجوهرَ فيها المتألمُ، إلا بعد أن يَنسى أنه متألمٌ لا لشيء بعينه، لكن ألمه لا يُمكنُ أن يُنسى إلا بهذا، إلا بالقفز إلى قعر الألم بقوة. هكذا وصلت إلى هذه البلدةِ المحروسةِ باليأس، وبأسوار من ذكريات غير واضحة، حتى بالنسبة لي : أنا الذي عمّرتُ ضواحيها، غسلتُ سواقيها بأحلامي، وعانقتها بشدة، كعاهةٍ لا شفاء منها إلا باعتناقها كمذهبٍ أو كديانة. كنتُ أنتظرها لأنّ أسمَها كان مذكوراً في بطاقةِ الدعوة إلى الحياة : عندما تجد الجميعَ في انتظارك إلا حياتكَ، كما أنّ اسمَها كان مكتوباً على الأسوار، مثل نبؤة. كان اسمُها مكتوباً، ولا أحدَ يقرأ، لأنّ اسمَها لم يكن مکتوباً لكنّ الكلّ يقرأ، غيرَ أنني لم أتوقّعها جميلة وبسيطة، كأول فجر عاشه الخليقة. كنتُ بحاجةٍ إليها وأنتظرُها لنتشاركَ العوم في بحيرةِ جسدينا حتى آخر رعشة، قبل أن نصطدمَ بالجدار ونكتشفَ أننا غارقان لا محالة، لكنها لم تكفّ، هذه المرأةُ، عن الغناء، ولا عن ضربِ الأرض بقدميها، وهي ترقصُ عاريةً، أو تبكي من فرطِ الحنين على أشياء لم أفهمها. هناك أحلامٌ لا تكتمل سيرورتها إلا إذا ألغيتها تماماً، أو إلا إذا تبنيتها كحماقةٍ ترتكبها، في لحظةِ سُكر، أو في لحظةٍ شعوريةٍ محضة، ثم تندم عليها طوالَ حياتكَ التي لن تعودَ، بعد ذلك، حياتكَ مهما حاولتَ استعادتها، لكن هذهِ المرأة، هذه المجنونة ، تُجبرني على أن أمشي على حبل الأمل کالبهلوان، في نفس اللحظةِ التي اقتلعَ فيها الطوفانُ كلّ شيءٍ من جذوره ، حتى فكرتُ أن أطردها، لأنها تُخالفُ إيقاعي في تفجير المأزق، أو تحجزني داخلَ سجن فكرتي عنها، فلا أجرؤ على أن أرتكبَ حماقة ، حماقةً صغيرة، تؤكدني غيرَ عابيء بما يحصلُ على ظهر هذا الكوكب، الذي فقد مغزی دورانه حول نفسهِ منذُ آلافِ السنوات. كما أنها كانت متأهبةً للطيران في متاهةِ أطوارها المتقلّبةِ ، أو للقفز من النافذةِ، ومستعدة، في نفس الوقت، لأن تحزمَ حقائبها وترحلَ بإشارة مني. لكنني لم أفعل ذلك : لم أطردها، إذ لا بيتَ لي، لا طابقَ أعلى، لا قبو، وأعيشُ وحيداً، مع مصيري، في العراء.


الكاتب: عبدالعظيم فنجان
0المفضلة
41 المشاهدات
0 تعليقات