• الأنذال

    الشجرةُ، في الحديقة، لا تهتزَ، ساكنة، رغم الإعصار الذي يقتلعُ أوروك من جذورها. الفراتُ يرتجفُ، مثل خیط، تحت الجسر. الأوراقُ تتطاير، الكلماتُ، واستغاثاتٌ تفلتُ من الحِبر ، فترتبكُ السطورُ. يوماً ما كتبتَ : «يتركزُ الجمالُ في أحزان غامضة لكنها تلهثُ، رغم سُمك الظلام، كالذهب» أما اليوم فلستَ تذكرُ أين، لماذا كتبتَ ذلك، وها أنتَ عند باب الحانة، حيث سیدوري منكبّة على تأليف كتابها في النصائح، تبحثُ عن المفتاح، ولا مفتاحَ سوى الريح، تقطفُ بمنجلها الأعشاب،َ وتقلبُ بمزاجها القواربَ، كلَّ القوارب التي أبحرت في مخيلتكَ. لا مزاج للسفر صوب أتونا بشتم، بعد نصيحة سيدوري، مع هذا الإعصار، مع هذا الغبار الذي يعبثُ بالتقاويم، ويمزّق الأزمنة : لا ظل، لا فيء تحت هذه الشجرة الميتة. خلف الباب تقابلُ حياتكَ الذي لم ترها منذ مدة طويلة، لكنكَ إذ تكتشف أنّ مراثي سومر، ينابيع المعرفة، والمعاني المفقودة للكون قد كست بدنكَ ببدلة الطير المهاجر أبداً، تتذكرُ حفنةً من الصعاليك والسكارى، أنكيدو، الحانات، والعزلة التي تشي بكَ مأهولاً، غير أنّ هناك ما هو أهم ينبجسُ مثل هلال مكسور، فجأة، من بين غيوم ذكرياتكَ المهجورة : الأنذال، آه، الأنذال، الأنذال الذين شاركوكَ مقصورة السهر في أغنية ، ثم ترجلوا منها دفعة واحدة ، تارکین حناجرهم على مائدة الذكرى، التي ترشَها بالشمع كلما عنَّ لكَ أن تحتفلَ بكل الأوسمةِ الصدئةِ على صدركَ، بكل دمعةٍ ذرفتها بحرارة، بكل الصفعات، وعند هذه الأخيرة : عند هذه الأخيرة فقط تتلمس خديكَ، فيتوقف الإعصارُ عن جَلد المدينة ، وتهتزّ الشجرة بعنفٍ في الحديقة.

    الكاتب: عبدالعظيم فنجان

    0المفضلة

    28 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من عبدالعظيم فنجان

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الأنذال