كيف تفوز بوردة؟ !
Sep 22, 2022 04:18 PM Sep 22, 2022 04:18 PM
عاد الجنديُّ الذي قُتلَ في جميع الحروب إلى قريته الصغيرة، ولم يعبأ بالحوريات اللواتي ينتظرن، أو بالصبايا : يلوّحن له من على السطوح، ومن خلف النوافذ. الأبوابُ المفتوحةُ أمامه فتحت جرحاً غامضاً في داخله، لكنه لم يحرّك ساكناً، ومضى في طريقه غير عابئ بالرايات أو بالأهازيج التي حاصرته من كل جانب. لم يتوقف لیندهشَ بالمصاطب أو بالحدائق أو بالجسور، لم يشرب من أنهار الخمر أو اللبن، ولم يدخل قصرَهُ المشيّد من أحجار اللؤلؤ. كان ينظرُ إلى كلّ شيء بعينين يائستین : يهزُّ رأسه، وهو يطوفُ الأزقة كالسائر في نومه، حتى دخل بيته أخيراً، ولمّا لم يجد أحداً، اكتفى بأن يدخلَ إلى الحديقة، ولبث متردداً طويلاً عندما فكّر في أن يقطفَ وردة من الشجرة التي غرسَها بصحبةِ حبيبتهِ مرة، لأنّ الجرحَ الذي في داخلِهِ، الجرح الغامض، بدأ ينزفُ ألما لم تسببه له، من قبل، أية قنبلة أو قذيفة مدفع، أية طعنةٍ من الخلف أو رصاصة، فأسند ظهرَهُ إلى السياج: أشعل سيجارة، ونظرَ إلى فوق، حيث الدخانُ يشكّل دوائر عصية على الفهم، ترتفع بهدوء فوق رأسه، ثم تختفي شيئاً فشيئاً. قبل أن يحزمَ حقيبته، ويعودَ ثانية من حيثُ جاء، انخرطَ، فجأةً، بالبكاء.


الكاتب: عبدالعظيم فنجان
0المفضلة
26 المشاهدات
0 تعليقات