بغداد، عندما القصيدة نثراً
Sep 22, 2022 05:33 PM Sep 22, 2022 05:33 PM
مرثية إلى بغداد من شاعر سومري في ساحة الميدان (بغداد، عندما القصيدة نثراً) إلى الشاعر جمال جاسم أمين ها أني أكتبُ قصيدةَ نثرٍ لا تقولُ أو تقولُ شيئاً، رغم أني أطمحُ أن تكون عنواناً لمجموعتي الشِعرية : أريدُها أن تشي بلحظةٍ حزينةٍ، وبوعي مضطربٍ، متلاطمَ الأمواج : لا قعرَ له، فيما اللؤلؤةُ هي سطحه، لكن هل من الضروري أن تقولَ القصيدةُ شيئاً ما، كي تأخذ زينتها؟ ! وحدي في ساحة الميدان، بلا سجائر أو نقود، مثل نسرٍ جائعٍ : ممنوع من التحليق حول أسوار الكلام، أبحثُ عن فريسةٍ أثرثرُ معها، كي أتلافى السقوط في كمائن التفكيرِ في هذه الهواية الحزينة، فالشِعر مسألة شخصية جداً، لا تعني أحداً : إنه مرضٌ كلما تقدّم بنا العمرُ صار وكراً لألم لا يطاق، لكنه ممّا يرفع الانسانُ فوق ذاته، أما التصفيقُ فليس إلا سلّم الهبوط نحو الدرك الأسفل من العافية. ما الشاعر، في هذا الزمن الكافر، إن لم يكن غائبا في حضوره، مثل ساعة يأوي إليها الوقتُ، حتى وإن كانت محطمة، تحت الأقدام، وعاطلة؟! مَن سنّ قوانينَ النشر؟ مَن أوكلَ إلى هذا أو إلى ذاك مهمة أن يضعَ الأوسمة، بأية مناسبة؟ وأيّ معدن يعادل الكنز المخبوء تحت طبقات الكتابة؟ لماذا يجب على الشاعر أن يُصدر مجموعة شعرية، كي يتم الاعتراف به من لدن شعراء لا يعبأ بهم أصلاً، كأن تجربته في تخریب قصائده، قصيدة بعد قصيدة، لیست مجموعة شعرية فريدة، لا تقول أو تقول شيئا؟! - «يا للسخافة ! صار الصبيانُ شيوخاً، دون أن يصحبوا الطوسي في محنته، وها هم يُثقلون ظهر قصيدة النثر بمتاع القريض، لكن إذا كانوا لا يرون أن رامي السهام، في الكهوف، هو نفسه الواقف خلف المنجنيق، عند أسوار بغداد، إذا كانوا لا يرون أن رامي المنجنیق هو نفسه رامي البندقية، وإذا كانوا لا يرون أن رامي البندقية هو نفسه كما يتجلى الآن، على شاشة التلفاز، بهيئة ذئب يرسلُ، بلا توقف، سيلَ لعابه في نهر الوعي الجمعي للخروف، فكيف يفهمون بغداد، عندما القصيدة نثراً؟!» أسألُ ذلك، وأنا أهزُّ رأسي، ثم أتلفتُ، يميناً ويساراً، خشية أن يكونَ قد سمعني الشعراءُ الكبار المسموحُ لهم بالتحليق حول الأسوار. - «لقد شحبت هذه المهنة..» تعلّقُ فاكهةٌ عجوز تدخنُ سيجارة، على الرصيف، أجلسُ إلى جوارها: تضربني على كتفي، ضاحكة بصدق، فتطفرُ أسنانُها الاصطناعية، وأنا أقترحُ عليها بجدية من قرأ الماضي والحاضر والمستقبل : «لقد أفلِت شمسُ جَمالكِ، التي كانت تشرقُ في سماء هذه الأزقة، يا صديقتي، فلِمَ لا تجرّبي العملَ في سوق السياسة ؟ » حقاً، إنني أستغربُ من النساء اللواتي فقدن الأملَ، لِمَ لا يشعلن الشموعَ للعيارين، ولشطّار بغداد ، بدلا من الأمين أو المأمون؟ وما دام تیمورلنك سيصل، بعد هولاكو، كما هو مكتوب في الصفحة التالية من كتاب التاريخ، لِمَ لا تترقبُ الأمهاتُ الخائباتُ ظهورَ المخلّص بهيئة شاعر مفلس؟ لا نقود، لا خمر، لأحسمَ هذه المسألة : الساحة تقفرُ، والباعة يعودون، من شارع المتنبي، متأبطین خواطرَ مفخخةً بحشرجاتٍ من سطور الكتب : تنفجرُ مع أول كأس هناك بعيداً، في الضواحي، فيما الساعة تشيرُ إلى عشتار : تنظرُ إليَّ من الشُرفة ، وأنا أتسكعُ وحيداً : بيدي دمعة، هي كل ما أملكُ من زادٍ لقطع المسافةِ التي تفصلني عن الصباح. آه ، عشتار، هذه الآلهة الشبقة، التي تطاردني أين ما حللتُ. لا أعرفُ حضارة لم تضعها في المقدمة من فاتناتها، لا أعرفُ بلاداً خالية من ضحاياها، لكنني سأشربُ الدمعة، وأسكرُ على نباح الكلاب الذي ينتشرُ في الساحة، فعشتار لن تختلط بالشعراء اليائسين، الذين يُبحرون في العالم على متن زوارق مصنوعة من أوراق قصائدهم. هنا كان عقيل علي، في أحد الأزقة، يسكرُ في «حانة حنين»: يغمسُ قصائده في صحن صحته الرديئة، ويتلو على السائرين في نومهم تمائم تصدُّ عن حامليها كلّ شيء إلا الأمان، وهناك الماضي وزعيم نصار، في الزاوية، يتبادلان الغصة، الكؤوسَ والأسرار، وذات ليلة طردونا، كما لم يطردوا الأمين والمأمون، بعد معركةٍ طائشةٍ بالقناني وبالمسدسات، استمرت طويلاً، ولم تتوقف، حتى بعد أن وصل المغول، حتى بعد أن سحلوا بغداد في الشوارع: طردونا من الحانة، من الحانةِ طردونا، فخرجنا محمولين على أكتافِ الإفلاس، لنقابلَ جان دمو في حديقة اتحاد الأدباء ، عائداً من استراليا بعشبةِ الخلود، وقد حفر خندقاً عميقاً من الضحك المرير، ثم جلس فيه مدافعاً عن أملاكِهِ بشجاعةِ المحارب الخاسر منذ أول معركة : يملكُ دمعة واحدة. - «إنها دمعتي التي شيدتها بدموعي. أعمالي الشعرية الكاملة هي وحياتي» كان يهتف. هي مختصر ألواحي الطينية، التي ضمّنتها أسفاري إلى أتونا بشتم، ولم أكتبها كلها، لأن الخلودَ لا يساوي كل هذا الحنان» . فيما كانوا يرمون سلة عظامه، بالمنجنيق، إلى السماء، وخلفها، حتى آخر نجمةٍ مضيئةٍ، يقفز موکبٌ شاسعٌ من الكلاب، ثم يهبط نابحاً في ساحةِ الميدان، حيث أمشي وحيداً، أبحثُ عمّن يطردُ الأسئلة، كي أتلافي السقوط في كمائن التفكير بهذه الهواية الحزينة : كتابة الشِعر، ولا أفهم، الآن، كيف خطرَ لي أن أنتقمَ من الشيوخ والصبيان معاً، من التاريخ ومن المناهج، بأن أكتبَ هذه القصيدة فوق جلدِ؛ لحظتي التي شوّهت خارطتها السياطُ ، لكنني أذكرُ أن حكمة جان اخترقتني عميقاً، فلم أسكر، لكنني ثملتُ حتى الصباح، ممّا أتاح لي أن أرى سركون بولص عن قرب : يمشي وحيداً في الصحراء، وفي مخيلتِهِ سربٌ من العبيد، منهكينَ خلف الأسوار، وهم ينقلون حسرات أمهاتهم لتشييد زقورة أور، عند ذلك رأيتني أفرُّ من بين يدي أبي طفلاً، ألهو بضرب العظام ببعضها في المقابر الملكية، حيث عشتار تحومُ من حولي، مثل طيف ، تخطفني مع أثمن ما حفظتُ من ترانيمَ سمعتها، وأنا ما زلتُ نطفة في رحم المعابدِ السومرية. هذا حال مَن تهرّأت شرارة فيضه ! » أقولُ مع نفسي، وأنا أبسطُ يدي لأطمئنّ على سلامةِ الدمعة. ________________ إشارات * ساحة الميدان : قلب بغداد في سنوات ما قبل الاحتلال، وهي الآن العالم الأسفل للمدينة! * شارع المتنبي: شارع الثقافة الورقية، حيث باعة الكتب ، وملتقى عموم مثقفي العراق في يوم الجمعة من كل أسبوع. * الطوسي: خواجة نصير الدين الطوسي، المتكلم والعالم الفلكي، وقع أسيراً، بيد جيش هولاكو، وهو في طريقه لاحتلال بغداد، وكان عليه أن يثبت نفسه عالماً كي ينجو من القتل. * حانة حنين : تقع في أحد أزقة الميدان، وكانت ملتقى معظم الشعراء المفلسين، سنوات الحصار، كما أنه كانت ملتقى شقاوات بغداد ومخبريها. * عقيل علي، زعيم نصار : شاعران عراقیان معروفان، صديقا الشاعر ورفيقا تجربة هذه القصيدة. * الأمين والمأمون : الإخوة الأعداء في الدولة العباسية ، وصراعهما على السلطة أبرز وطنية الشطار والعيارين ضد الاحتلال. * جان دمو، سرکون بولص : شاعران بوهيميان راحلان، يعتبرهما الشاعر من آبائه. * عشتار: آلهة الحب والجمال، المتقلبة الأطوار والمزاج، وهي الأنثى بطلة قصائد الشاعر في جميع أعماله. * أور : عاصمة سومرية تقع على مقربة من مسقط رأس الشاعر. * فاكهةٌ عجوز: عاهرة كبيرة في السن، وهو تعبير دارج في ساحة الميدان، حيث قاع المدينة..


الكاتب: عبدالعظيم فنجان
0المفضلة
16 المشاهدات
0 تعليقات