• مجلس جدي

    صغيرا كنت أسأل جدي رحمه الله عن كل شيء .. مرة سألته عن مجلسه الذي لم يكن يخلو ليلا ولا نهارا ؛ كيف بَناه المحجوب ؟ أخبرني أنهم حين أعلوه كانت بعض أجزائه تشكل على الأرض ثم ترفع وتُلحم إلى بعضها كالنوافذ والخِزانات والأرفف والأقواس . التفت إلي فجأة حينها وقال : أتدري من أخس الناس ؟ وجمت ، كنت صغيرا ولم أخبر الناس كما خبرهم هو ، ولا الحياة . فابتدرني قبل أن أغرق في حيرتي قائلا : "الذي يهدم ما بنى جدُّه" .! كان مجلس جدي عامرا ذا سقف عالٍ وجدران مرتفعة البناء ، وألوان من الداخل زاهية ، ومنحوتات منقوشة في دقة عجيبة . تولى نحت نقوشه ورسم زخرفته وتنميق الجدران بالألوان رجل مصري يدعى الأستاذ صلاح . جعل للخزانات في الجدران هيئة عجيبة ، بعضها مخفي والآخر ظاهر مغطى بفورميكا عليها رسوم فرعونية ورموز هيروغليفية عجيبة . كنت أغرق في خيالي مستغرقا كلما جلست وحيدا في المكان ، ناظرا إلى تلك الرموز مرة وإلى الجدران مرة وإلى صور "ستيف" والحسناء والأزهار على أكواب ممتلئة بالرمل مرصعة بها رفوف المجلس . لم يكن مثله في البلدة إلا مجلس أخيه شيخ الشمل الذي استقبل فيه الملك فهد حين كان وزيرا رحمهم الله جميعا ، إلا أنه لم يكن برونق مجلس جدي وجماله . لا أذكر يوما مرَّ دون أن نستقبل فيه أحدا إلا فيما ندر ، حتى الغرباء كانوا يُدَلَّوْن على مجلسه فيغشونه . ولا أذكر أنني رأيت لبابه مفتاحا إلا بعد وفاته رحمه الله . كنت واخوتي نتولى ضيافة من يزوره وتقديم "المباشرة" بالقهوة والشاي والتمر والزبيب والمفكهات الكثيرة الأخرى ، ونمد سماط الطعام ونجهزه عند الولائم . لم يكن يمضي أسبوع دون وليمة كبيرة ، خلا عن الموائد الصغيرة اليومية أو الليلية . كان جدي لا يأكل وحيدا على مائدة ولا يخلو عشاء له من ضيف أو صديق أو فقير . منذ بُني مجس جدي وإلى يومنا هذا لم يظهر فيه شرخ واحد ، ولم تسقط من سقفه قطرة ماء واحدة . كبرتُ ولم أصعد على سطح مجلسه مرة خوفا أن أسقطه فأكونَ أخسَّ الناس . فهمت مغزاه حين وعيتُ ورأيت فعل [الخِساس] في تراث أجدادهم . لن يهدم بناء جدي إلا الله .

    الكاتب: يعقوب آل إبراهيم

    0المفضلة

    37 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من يعقوب آل إبراهيم

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مجلس جدي

    المزيد من يعقوب آل إبراهيم

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة