• اللايقين

    أخبرته أنني أصبحت أفضّل العُزلة, أجد راحتي فيها, أكره أن يتقوّل عليّ أحد بما لم أنطق, أن يتغوّل على عقلي بوصاية سمجة . كان يُنصت لكلماتي المتدفقة باهتمام, ثم ربت على كتفي لتهدئتي قدر استطاعته بسبب عنف حديثي, عندما توقّفت لالتقاط أنفاسي, عاجلني بقوله: نقطة ضعف بشرية ألاّ يكون المرء وحيدًا أبدًا. فإن استغنى كليّةً عن الناس, لأصبح تهديدًا, لا تستقيم الحياة عندها, تفقد مبرّرها, تصبح المناطحة جبرًا و خيارًا مفزعًا تُخشى عواقبه . قلت : لا أفهمك! تهديدًا لمن؟ لنفسه؟ أم لآخرين؟! أي عاقبة سيئة حين يتّحد المرء مع نفسه و يستقل بذاته! لكنه تجاوز عن أسئلتي, قال: للوعي حدود كحلقة ضيقة لا يمكن تحطيمها إلاّ بالعزلة, لكنك أيضًا إن اعتزلت الناس تُهت عمّا حولك, ضلّ وعيك, ذلك ما سيقال عنك حينها. قلت: ربما أخطأت بسؤالك ! فقال و ابتسامة كبيرة تضيء وجهه القديم: يا بني, الخطيئة هي وقود المعرفة, هي السبب الكامن و المُنكر خلف كل شيء. فخطفت يده و هويت عليها تقبيلًا و أنا أردد: هل الأمر يستحق؟! قطب جبينه, ثم سحب يده من بين أصابعي, انشغل بترديد أدعية في سرّه, يده الأخرى تعبث بحبّات مسبحته. تردّدت بين الرحيل و اختصار الزمن أو البقاء و الإصرار على غايتي التي سعيت خلفها, ثم قررت المكوث, فاقتربت من جديد, قلت: صدري يغلي مما يعتمل بداخله, لكن أخاف أن أبوح لك بما لا يجوز, فأبدو أمامك بمظهر الساخط من حياته, المتمرّد على قدره. فأجابني بعدما جذبني برفق من يدي وأجلسني بجواره: أتعرف!, تؤرقني معضلات حياتية كثيرة, حتى أنني لا أنال قسطًا كافيًا من النوم, ساعة واحدة أو اثنتين بالكاد يوميًا. أطلق زفرة حارة من صدره, ثم أكمل: لو نظرت إلى وجهي ستجده يمتلئ بتجاعيد كثيرة لم تكن موجودة قبل أسابيع قليلة مضت, على رغم أنني واسع الثراء كما يقولون, لكن حقيقة لا أجد متعة فيما أملك, كأنما أرى الدنيا من ثقب إبرة. هززت رأسي أسفًا على حاله, استطردت بقولي: لم أخرج يومًا من أزمة بصورة كاملة, فبنهاية كل واحدة يلتحم ذيلها بطرف الأخرى, تتوالى على رأسي, أسمع دقاتها كحبّات مسبحة طويلة بيد ناسك يقيم ليله بصورة مستمرة , كتلك التي بيدك. ابتسم من حديثي, لعله كان يرغب في التهوين من مصابي, ربت على ظهر يدي اليمنى و قال: لن يجد المرء السعادة أبدًا على الأرض. فقاطعته بيأس: كما أننا لا نملك يقين أن نجدها في الآخرة أيضًا! فقال بضجر ممزوج بخوف حقيقي: رحمته وسعت كل شيء. فأجبته بعدما تعاظم غضبي بداخلي حتى أصبح جدارًا حال بيني و بينه:" و ما يلقّاها إلاّ ذو حظ عظيم" فانتفض كمن لسعه عقرب و صاح: لا تسخط. فقلت: وُهبت عقل, من الكُفر أن أدعه جانبًا. بلوعة حقة أجابني: اِرْأف بنفسك, التفكير ربما ينحدر بك لواد غير ذي زرع. أيقنت أن الجدار علا عن ذي قبل و وجدت أن رؤيته غامت بعيني, فقلت: أومن أنني بعقلي لن أصل إلى شيء, من دونه أيضًا سوف أقترب يقينًا من لا شيء. أجزم تلك اللحظة أني استشعرت اضطرابه الشديد, صمَتْ هنيهة ثم جاءني من بعيد صوته يحتضر: طوبى لمن رضي. فقلت: هل رضيت أنت؟ فصاح بي: لا, لكني أرغب في ذلك. غاب عنّي لحظات ثم عاد يقول : ربما تنحصر مشيئتي في رغبتي, قد أُجبر على ألّا أتجاوزها, أن اقف عند عتبتها, تضيق أو تتسع.. ثم ناداني: ألا زلت هناك خلف الجدار؟! فقلت: تأتيني بعض كلماتك واضحة, لا أجد مشقّة في فهمها, لكن سؤال أخير و سأمضي لحال سبيلي: هل من ضمانة ؟ فقال بصوت أكثر وضوحًا, قد خلا من كل شائبة تعيق المعنى : لم يعصم الجبل ابن " نوح " من الغرق.

    الكاتب: mohammednishadta

    1المفضلة

    65 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    story 

التعليقات (0)

المزيد من

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • اللايقين