• لا تُكتبُ الرسائل لتصل!

    لا تكتبُ الرسائل لتصل ، ولا القصائد لتعيد الراحلين، و لا الروايات والكُتب الأدبية التي تملء المكتبات بالدفء ليقرأها المكتوبة لهم؛ لأنها لم تعد كذلك، فولادة الشُعور تجعله يتخذُ نماءً خصيصًا في المعنى، يتوسع ويتجدد في صدور قراء يجعلون للكلماتِ حياةً أخرى وأولى. لقد علمتُ أول الأمر أن رسائلي وقصائدي و رواياتي وأدبي لم تكن أبدًا لشخص وأنها في الأحوال كلها نموًا روحيًا يُجسدني فيما أنص والدلالة. هناك غور سحيق لن يصل فمن ذا الذي يُسافر في قلبهِ قاطعًا السنوات تلو الأخرى ليمس كلمة جديدة و يفيض بوجود آخر؟، فلابدّ للمعاني من التحور في عبورها هذا النفق السحيق، بما يحويهِ من معان مضمرة ومشاعر لن تستوعبها قلوبٌ قد أقفلت أبوابها للرقة؛ فالنسيم العابر يترك أثرهُ علي ويغير من تشكل كلماتي في النسق. الكتابة لشخصٍ فناء، ولم أرد للحُبّ أن يكون محدودًا في قصةٍ عابرة، أو في مُخيلةٍ مقدودة من رُحى المرويات، لذلك رأيتُ جناحي اللغةِ يحلقان بي بعيدًا عن الكائناتِ في عالمٍ يحوّل الشعور فيهِ أدبًا خالصًا يأخذني للبعدِ مِرارًا، ثم أمكنني الوصولُ إلى ينبوع الذاكرةِ حيثُ أهز جذع المعني فيساقطُ عليّ جُملاً منظومةً في سياقِ الجمال وبذلك حُولت ذاتي لتخرج عن حدِ الزمان والمكانِ وتبلغ الماوراء. إنهُ الحُب إذًا المكون الذي يُغير الأشياء… لطفٌ يسعى في وجهي إذا رأيتُ المرآةَ تتشبثُ بجسدي لتُخرجَ كوكبًا دُريًا من صدري، كوكبًا من نورٍ وكلماتٍ مُصفاةٍ بالنقاء، فالذي يبقى بعد كل تأريخ وحكاية هي الكلمات حيث تستمر في اضاءة جوانب في العالم إلى آخر مدى، ولذلك أجد في ذلك شفاءً من أسقامِ البُعاد وحرقةِ الهجر و الحروب الشُعورية التي لا تسمن ولا تُغني من جوع؛ فالكلماتُ درعٌ حصين ينتقل عبر أبواب الزمان بسهولة ليجعلنا أكثر بقاءً… أعودُ لألم جسدَ الصمتِ فيتفتقُ عن نورٍ هزاع، هازًا جذع النجومِ الهطالةِ شُهبًا وذكريات، ألونُ الوجوهَ المسافرة على خدودِ الغيمات فيهطلُ قلبي حنينًا للكتابةِ وقد حُولت الأشياء إلى توظيفٍ لغوي بحت باحثًا عن الراحلين، من يستمرأ الغياب على مضضِ عودةٍ أو لفتة، حيث تذكرُ الأماكن والمدن دفء الحياةِ عليها وأعذب اللقاءات و ديمتها. أعكفُ على ذاكرتي، و أَعلُ من السحنٍ الوضيئة خمرًا للجملِ الوضحة فتظهر بالحسنِ لا تضاهى. لن يكون للانتظار سبيلٌ إن لم أكتب، ولا للذاكرةِ من خلاقٍ إذا لم أحبس لحضات الشعور في عزٍ وقوة وفي ضعفٍ وانكسار على حدّ السواء؛ فكل ما كان ويكون أجسادٌ لوجود آخر يبين وجهي في الحياةِ بصيغ جمالية كُبرى تفتقُ عن اتصالٍ منوع بالعالم. يا عاهل آلام العالمين يا جسد الصمتِ المُنور هب ساكبًا أعضائك سُحبًا دجاها الكلمات الصبح.

    الكاتب: هيثم بن محمد البرغش آل ريس

    0المفضلة

    45 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    أدب رسائل_لم_تقرا أدب_العودة 

التعليقات (0)

المزيد من هيثم بن محمد البرغش آل ريس

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • لا تُكتبُ الرسائل لتصل!

    المزيد من هيثم بن محمد البرغش آل ريس

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة