مقدمة كتابي "إنسانية محمد" صلى الله عليه وسلم
Jan 10, 2023 05:45 AM Jan 10, 2023 05:45 AM
من مقدمة دراستي في إنسانية أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (كما وردت في كتابي: إنسانية محمد) مقدمة الدراسة: بسم الله الخالق البارئ المُصوِّر، الذي خلق "الإنسانَ" ووهبه ما يقدر أن يكون به إنسانًا ويسمو في إنسانيته، فلا يكون له بعدها عند الله – إن ضيَّعَ – حُجةٌ أو برهان. وأحمده تعالى أن كرَّم الإنسان تميّزًا عن سائر مخلوقاته، وأنعم عليه "الإنسانية" وأقدره على إنفاذها، فإن مُرادَ الرحمن أن يترقّى كلُّ واحدٍ من البشر إلى العُلى من مراتبها. فقد علَّمتنا رسالاتُ السماء وتجاربُنا الإنسانية؛ أن الفِطَرَ السويةَ تُميزُ التخريب عن العمران، والقتلَ عن الإحياء، والاستخفافَ عن الاتقان، والإفسادَ عن الإصلاح، وجميعها في مقدور الإنسان، ومن نِعَمِ الخالق على الإنسانية أن جعل في الناس نماذجَ للاختلاف "لنفهم"، فبالمثال يكون الاعتبار ويتمُّ الإيضاح. والباحثون في ساحات العلم؛ ينفعلون بالأحداث المُعبرة عن الإنسانية، يشاركون الناس شجونهم وقضاياهم، لكنهم مختلفون في رؤاهم، منظوراتهم، مناهجهم، إجراءاتهم، تحليلاتهم، أدلتهم، غاياتهم، وأحكامهم. وقد أُثيرت منذ انطلقت دعوة الإسلام في ربوع الجزيرة العربية، ولازالت تُثار إلى اليوم؛ من حين لآخر؛ مسائلٌ وأحكامٌ تَمَسُّ إنسانية النبي "محمد" عليه السلام، يطرحُها الباحثون من شتى البيئات والأعراق والثقافات والديانات، يختلف تناولهم وتتباين أحكامهم، فكان هذا الاختلافُ وذاك التباينُ حول إنسانية محمد – في نبوته والوحي الذي أُنزل عليه وخُلُقه وسيرته وسنته ورسالته - هو دافعنا الأول لاختيار "إنسانية محمد" موضوعًا للدراسة، لاستقراء وتحليل وتفنيد هذه الأحكام بمنهجٍ علمي، ولإقرار معايير "المفاضلة" بين الناس، ولبيان لماذا حازت إنسانية محمد - بهذه المعايير - رتبةَ الكمال والتفرّد، ولقد قوَّى هذا الاختيار؛ أسبابٌ، هي فرضياتٌ موجِهةٌ للبحث، وهي بالأساس أسئلةٌ تقتضي الإجابة، فإن كل إجراء بحثي له مَهمتان: • المهمة الأولى؛ فحص فرضياته وتوكيد صحتها. • والمهمة الثانية؛ موازيةٌ لها ولا تقل عنها ضرورة؛ هي طرح أسئلة "بحثية" تصلح لأن تكون محفزات للبحث. وأهم هذه الأسباب "الفرضيات" التي وجهتنا لاختيار "إنسانية محمد" موضوعاً للدراسة، هي: 1. الاستدلال على أسباب الاختلاف حد التناقض في أحكام الباحثين حول "إنسانية محمد"، بين المسلمين والمستشرقين والعلماء والمؤرخين والأدباء والمفكرين على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم. 2. التحليل المنهجي للوقوف على محددات هذه الأحكام من حيث: الصحة والبطلان. 3. استقراء نماذج هذه الأحكام، لتفنيد المسارات التي أوصلت بعضًا منها إلى الخلل؛ منهجيًا، معرفيًا، ونفسيًا. 4. التحليل العلمي لدلالات ومظاهر وآثار ومقومات "التفاضل" في الإنسانية، التي استحوذت عليها "إنسانية" محمد، والبرهنة على صحة ودقة وعلمية معايير المفاضلة. 5. غياب "القدْوة" في الحضارة الإنسانية المعاصرة، وتبدّل المعايير التي تطمئن إليها الأفهام عبر جهود الفكر العلمي والفلسفي، إذ تحولت القدوة من الرسل والمصلحين والعظماء وصُنّاع التاريخ، إلى نماذج أخرى، ليس لها أدنى حظٌ من الإصلاح أو العظمة أو الرقي. 6. انسحاب "البُعد الإنساني" عن كثير من أنماط حياتنا اليومية والعلمية والاجتماعية التي تسود بين الناس؛ في أدائهم، قناعاتهم، وعلاقاتهم، قيمهم، معاملاتهم، وحتى في نواياهم. 7. "الوهن" غير المبرر في "الانتماء" الإنساني، وفي "الالتزام" القيمي، عبر الجهد البحثي في العلوم والفلسفات على حد السواء. 8. سيادة "النفعية" في أحكام الباحثين، وتراخي الروح العلمية في أوساط العلماء وهم النموذج في هذا؛ حتى تحول أمر الناس إلى التفتيش عن الإنسانية في غير محلها بعيدًا عن الإنسان. 9. الاندفاع الشديد نحو "ما بعد الإنسانية"، ظنًا أن فيها الخلاص من مُحصّلة الثورات: المعرفية التكنولوجية البيولوجية، التي أنهكت قوى الإنسان، وقوّت مطامعه في الحياة. 10. التوسع العريض لتيارات "الإلحاد والانحراف والشذوذ"، وتنامي نزعات الفردية والأنانية والهروب والانسحاب الاجتماعي والنفسي، واتساع نطاقات التبرير، وتسمية الأمور بغير مسمياتها. 11. تمدّد "الطموح العلمي" على يد فريق من العلماء والباحثين؛ بدعوى إصلاح وتيسير حياة الإنسان، حتى ما عادت لكرامة الإنسان قيمتها؛ إلا بدرجة ما تُفيد البحث العلمي داخل مختبرات العلماء. 12. "سيطرةُ العلم المادي" في الحياة المعاصرة، دون ضابطٍ أخلاقي يقنن تطوره السريع، ما أدى إلى كثير من ردود الأفعال غير منطقية، كالتطرف، واحتكار الدين، والإفراط في ادّعاء التدين، وإنكار النبوات والشرائع السماوية، وتفشي موجات التحرر، والربط التعسفي بين الإيمان والتخلف. منهج الدراسة: سوف تتبع الدراسة لتوكيد غاياتها العلمية؛ منهجًا استرداديًا استقرائيًا استنباطيًا مقارنًا ونقديًا، حيث: - إن موضوع الدراسة مُتصلٌ بنبي الإسلام، وهو حدثٌ تاريخي، تضمن مواقف وظواهر وأشخاص، ونشأت له علومٌ وطرائقٌ ووثائق، ولازمته أدلة ورؤى وأحكام، فوجب التوليف بينها من خلال منهج تاريخي، لاستكمال المقاربات والمقارنات والوقوف على سياقاتها التاريخية لتحديد: أصولها، جذورها، وآثارها في بناء إنسانية محمد في صدق مفرداتها، وكفاية حقائقها. - إن فرضيات الدراسة وهي تسير في اتجاهين: أولهما؛ تحليل شواهد الأفضلية في إنسانية محمد وثانيهما؛ تحليل أحكام الباحثين بشأنها، كان لزاماً أن يكون لها نهجٌ استقرائيٌ دقيقٌ لفحص حالات الاتفاق على الأفضلية ومعاييرها. - إن ربط الأصول التاريخية بأحكام الباحثين في إنسانية محمد؛ يقتضي استخدام الاستنباط في التمييز بين الحقائق والآراء لاستخلاص النتائج وإثبات الاتساق بين الفرضيات والنتائج. - إن كفاية النقد في دراستنا يقتضي التوفيق بين أشراط الموضوعية في كفاية الحقائق والأدلة وأشراط الذاتية في النزاهة والحيادية، فالنقد المنهجي وسيلة تحقق من صحة الأدلة والأسانيد، ومعيار لكشف المغالطات. - إن المقارنة طريقة منهجية لبحث وتدقيق الشواهد والحقائق والأحكام والأدلة، وهي أداة إقناع علمي لإثبات صحة الفرضيات الموجهة للدراسة. وسوف يأتي توظيف هذه المناهج بشكل متقاطع وتكاملي، لضبط إجراءات البحث، وطرح فرضياته، والتحقق منها. تتألف الدراسة - في بناءٍ بحثيٍ تراكميٍ وصولًا إلى نتائجه - من مكوناتها التالية: التمهيد: لتحليل جذر مفردة "الإنسان"، وما تشير إليه من دلالات لغوية واصطلاحية، أعطت "التميز" لجنس البشر كالإدراك والعلم واليقين، لتوكيد أن الإنسان ليس بماديته وجسمه وإنما برُقيّ ذهنه وخلقه، ويوضح التمهيد أن العلم الإنساني إن لم يقترن بخُلق؛ أفلت من سلطة العقل، وهذا ما أصاب الحضارة المعاصرة، إذ ظهرت نزعات "الإنسانية" و "ما بعد الإنسانية" وتسارعت الثورات: المعرفية، والاتصالاتية، والتكنولوجية، والبيولوجية، التي أفرزت أفكارًا أفقدت الإنسانية جوهرها، من مثل: "إلغاء الدين" و"إنكار النبوات" و"التفلسف المادي بكل أطيافه"، ما أدى إلى شيوع الطلب المتزايد للحرية المطلقة، التي أنتجت العلمانية والإلحاد والانحراف والشذوذ والأنانية، وينتهي التمهيد إلى ضرورة تقنين العلم بضابط إيماني لا يستقيم إلا عبر الشرائع المنزلة. القسم الأول: يركز على فحص "إنسانية محمد" بين مفهومي: الاتساق والتمايز، ويقدم نماذج للبرهنة على التلازم بينهما، كالتمايز والاتساق بين "محمد" و "الوحي"، ويبرهن على ما أُعطيه النبي من طاقات البشرية وطاقات النبوة، وينتقل لتحليل واستقراء دلالات لفظة "الإنسان" في آيات الوحي عبر السياقات القرآنية، للوصول إلى العنصر الرئيس في هذا القسم وهو قيمة "المفاضلة" بين محمد وسائر البشر، ليحلل معايير المفاضلة وشواهدها من تاريخ الفكر الإنساني، وهي شواهد: الرحمة، الصحبة، الفطرة، النَصَفَة، الذوات السوية، والإجماع العلمي، ويتفحص المعايير التي تمايز بها نبي الإسلام وتفرد، في الثبات على المبدأ، الإخلاص، المسئولية، والتوسط الخلقي، ويقدم في هذا الفحص الأدلة على الكمال الإنساني لدى النبي محمد، في مقدرات بشريته ومعطيات النبوة. القسم الثاني: يركز على تأكيد التلازم بين الموضوعية والذاتية كضرورة إجرائية في العمل البحثي، ويؤكد هذا القسم أن الربط بين الذاتية وعدم المنهجية هو ربط غير علمي، ويثبت أن الذاتية كالموضوعية، هي معيارٌ أساسيٌ في إقرار الروح العلمية، وأن للذاتية – في العمل البحثي - إرادتين: السوية والمتطرفة، بهما يتوصل البحث إلى أحكام صحيحة أو باطلة، وينتقل القسم إلى بيان مقدمات الكتابة في السيرة النبوية، ومنهجية الكتابة، وقواعد هذه المنهجية، ويفحص كيف سادت "الروح النقدية" في تدوين السيرة التي أسسها المسلمون علماً لأول مرة في تاريخ الكتابة الإنسانية، ويحلل معاييرها من الصدق، الوضوح، الصحة، الدقة، الإسناد، التوثيق، والروح العلمية، ثم يفصّل القسم في تحليل مقدمات الخلل في أحكام الباحثين من المستشرقين ومن المسلمين حول إنسانية محمد، ويفنِّد محددات هذا الخلل من التعسف في الحكم، إنكار الحقائق، عدم التمييز بين الحقائق، الاستنتاج القسري، القصور في الرؤية، والضبابية في الحكم، وتؤكد الدراسة على الربط المحكم بين هذه المحددات ووجود الخلل منهجيًا، ومعرفيًا، ونفسيًا، وأن صحة الحكم تقتضي قراءة دقيقة وتحليلًا موضوعيًا وذاتية سوية؛ لفهم الحقائق المعبرة عن إنسانية خاتم المرسلين ﷺ. الدراسات السابقة لموضوع "إنسانية محمد": لقد ورد موضوعُ دراستنا "إنسانية" محمد ﷺ عبر التدوين الشفهي للسيرة العطرة وعبر رواية السنة الشريفة بين الصحابة، حيث تواصل حفظهم لها ونقلهم إياها وعملهم بها، وانتقل الحفظ إلى جيل التابعين ليدونوه علمًا مكتوبًا على يد كُتّاب السيرة الأُوَّل من مثل: عروة بن الزبير وابن شهاب الزهري وموسى بن عقبة، ليصل إلى جيل نالَ قدرةً أكبر ومنهجيةً أدق في توثيق وتدوين مجريات السيرة على يد ابن إسحاق، فابن هشام والواقدي وابن سعد، الذين أسسوا من السيرة علمًا له منهجٌ وأصولٌ وضوابطٌ، ونجحوا في بناء علوم أخرى تسانده كالجرح والتعديل والإسناد، وظلت "إنسانية محمد" جزءًا ضمنيًا وبشكل عرضي في عامة الدراسات التي صارت بعدها – في كل جيل دون توقف – ضمن البحث المتعلق بتاريخ الإسلام ومغازي الرسول وما صاحب دعوته من تفاصيل وأحداث وأشخاص ومواقف، ولم يخلْ جيلٌ من المفكرين في تاريخ الإسلام ومن شتى الثقافات الأخرى من الكتابة في هذه الموضوعات، وإن ركز بعض المحدَثين عرضيًا على "الإنسانية" من جهة صفات النبي وأخلاقه وأثرها ونماذجها، ولكن من غير: تحليلٍ لقضية التلازم بين "الاتساق" و "التمايز" في إنسانية محمد واستقراء شواهد الأفضلية في أحكام المنصفين لإنسانية محمد وتدقيق معاييرها وضبط أسس وأصول "الروح النقدية" في منهجية تدوين السيرة وتأكيد الربط العلمي بين "الموضوعية" و "الذاتية" في بناء أحكام المتعصبين في أحكامهم وتحليل نقدي لمحددات الخلل (المنهجي، المعرفي، والنفسي) في هذه الأحكام. إذ لم تركز دراسةٌ سابقةٌ – قدر ما توصل إليه علمُنا وبحثُنا – على فحص وتحليل لـــ "إنسانية محمد" بشكل تفصيلي ومستقل عبر هذه الأبعاد وعبر هذا المنظور تحديدًا، فكانت دراستنا لسد تلك الفجوة، أرجو الله الكريم المجيب أن يتقبلها قبولًا حسنًا، ويجعل لها في الناس نفعًا وأثرًا، ويجعل من إخلاصي فيها؛ زادًا لي في دنياي وآخرتي، وخيرًا للإسلام والمسلمين والإنسانية، إنه هو ولي ذلك والقادر عليه. د. حسين صبري أستاذ الفكر الفلسفي الإسلامي


الكاتب: دكتور حسين صبري
0المفضلة
12 المشاهدات
0 تعليقات