جزء من مقدمة دراسة علمية وردت في كتابي: بناء الوعي
Jan 10, 2023 06:01 AM Jan 10, 2023 06:01 AM
للوعي أسماءٌ وصفات، تاريخٌ وأحداث، للوعي تضاريسه، كما أن للوعي بناءً؛ له أسسٌ وأصول، أعمدةٌ وطبقات، مظاهرٌ وأدوات، ودرجاتٌ وغايات. الوعيُ متاحٌ للجميع، ليس احتكاراً لأحدٍ من الناس، ولا لأمّةٍ دون غيرها، إنّه «حالة» إنسانيّة، قوامها العقل والوجدان، نتاجها حضاريّ، تَقوى حالته فيمن يمسك بأسبابها من البشر؛ حتى تصير له قوّةٌ تدفع جوارحه وملكاته المادية والعقلية والروحية جهة التحضّر الإنساني والأخلاقي. الوعي في أمّة الإسلام لا يبقى في حالته وعياً إنْ تمّ تضليله أو إعاقته أو تقزيمه، فمِن أشراط حضوره أن يكون صحيحاً، حرّاً، قويّاً مؤثِّراً، ومنتجاً؛ لتنشأ «حالة» الوعي التي غادرت الأمة منذ قرون إلا نسماتٍ حييّة، تظلُّ تذكّرُنا بريحها وعنفوانها وأثرها. ما صار هناك وصفٌ يفند غياب «الحالة» إلا وطاله الفحص والتحليل، تجاوز قدر المشكلة، وتعدى حد الكارثة، وشكل أزمة كبرى على المستوى الفردي والجمعي للأمة، في فهم الذات والآخر، في الوعي بالواقع وفي إدراك المأمول، في ربط الدنيا بالدين، في وصل الأصيل بالمعاصر، وفي التمييز، والربط – وهذا هو المهم - بين طرفي الحالة: الإنسان الواعي، وموضوع الوعي. حالةُ الوعي منشؤها رافدان عظيمان في نظامنا الحضاري والتاريخي؛ هما معاً سببٌ أصيل لبقاء الأمة وخيريتها، وموصلٌ إلى تفرّدها: رافد اللغة، ورافد الدين. إذ ليس في لغتها ما ينقصها لتبقى، هي في ثراء ليس لغيرها من مفردات وتراكيب، مادة وروح، مرونة، وقدرة على البيان والعلم، وليس في دينها بعد قول نبيّنا محمّد ﷺ «ألا إنّي أوتيت الكتاب ومثله معه» إلا أن تتلاشى مسافات الغياب المتوالية عن قراءة الوحي، وعن فهم الواقع. ومن غير شكّ فإنّ حالة الوعي تتسع وتتمدد لأن تحمل في مضمونها الرافدين معاً: اللغة الدين؛ إذ هما في قابليّة – طبعاً لا قسراً – للتعايش والتناغم، مثلما أنّهما قادران على إبقاء «الحالة» في مأمنٍ عن كلّ ما يضادّ الوعي، سواء أصابتنا هذه المضادات باسم اللغة أو باسم الدين. مشكلة الدراسة وفرضياتها: إنّ طرح الأسئلة بابٌ فسيحٌ وصحيح، وربّما وحيدٌ لبدء العلم، بفضله يصير المجهول - جرَّاء البحث العلميّ - معلوماً، وقد تضافرت لدراستنا «بناء الوعي» في ظلّ ما تمّ جمعه من معلومات، وما تمّ رصده من معطيات وفرتها الوقائع الماضية والحوادث الآنية مجموعةٌ من الأسئلة، أدّت إلى صياغة مشكلة الدراسة، والتي تتركز في تحليل ومن ثمّ فهم «الحالة» التي تُكوّن الوعي: هل هي حالة ضبابيّة، أو خرافيّة، أو غيبيّة، أو مصطنعة يصعب تصوّرها وتنفيذها، أم هي واقع يمكنه أن يصير؟، هل يكون العلم أوّل تجلّياتها منهجاً وتحصيلاً وتأصيلاً وتدقيقاً وتطبيقاً؟، هل تمثّل بالنسبة لنا موقفاً مستطاعاً وفي وُسْعِنا أن نبلغ على الأقل حدوده الدنيا ثم نتنامى فيه؟، هل تستوجب أن نطّلع على ما سبقنا من خبرة وتجربة وإنجاز، وأن نضيف على أسسٍ من منهجية العلم وإتقان العمل لإسعاد الانسان؟، هل تلك «الحالة» فعلٌ عقليٌ معرفيّ، أم قصدٌ إراديّ، أم انفعالٌ عضويّ؟، وهل هي جَهد فرديّ، أم جمعيّ، أم مؤسّسي؟، وهل هي فرض عين ونوع جهاد حتى نُعدّه الجهاد الأكبر الذي يفوق جهاد المعتدي، ويكبر حتى على الجهاد بالنفس والمال؟، هل تتحقّق بهذا الجهاد «جهاد الوعي» مقاصد الشريعة الكبرى؟، هل يوصل امتلاك تلك الحالة إلى فهم جوهر الإسلام على الوجه الصحيح، وإلى ممارسة أخلاقه ومنهجه الوسطي، وإلى تقدير وفهم لغة كتابه الأعظم؟ هل بهذه الحالة تمكّن الواعون الأُوَل في أقلّ من قرن من إيصال دعوة الحقّ إلى جهات الدنيا الأربع بوعيهم ونموذجيّتهم الراقية، فاستطاعوا تأسيس منهجيّة «التجريب» التي كانت بضاعتهم الأميز، وشيّدوا «الإسناد» الذي لا يقل عنه -في ميادين الإضافة- دقّة وعلميّة، فأنجزوا بحوثهم الفقهيّة والنحويّة والكلاميّة والعلميّة والأدبيّة، والفلسفيّة، وازدهرت على أيديهم تكنولوجيا العلم وتطبيقاته في أرجاء الأمّة، وارتقى فيهم أبو حنيفة والكندي والفارابي وابن الهيثم والخوارزميّ وابن حيّان وابن سينا والرازي وابن رشد وابن خلدون، إلى أن نبغ فيهم محمد عبده والعقّاد وزويل. حتى يصرح زكي نجيب محمود في أخريات أيّامه بأنه لو علم في أول أمره ما في تراثنا من فكرٍ وعلمٍ وإنجازٍ؛ ما صرف من عمره أربعين سنة ينتصر فيها لفلسفة الغرب الوضعيّة؟ هل هذه الحالة في مواجهة تلك الأسئلة (التي توشك أن تتحوّل إلى أجوبة) يُكوِّنان طرفي علاقة سببيّة؟، فإذا كان هذا صحيحاً، فأيّهما السببٌ وأيّهما النتيجة؟ سؤال تفرضه مشكلة الدراسة، ويُعد أوّل موجّهاتها، ويأخذ بنا إلى سؤال آخر لا ينفصل عنه، مؤدّاه: هل من الضرورات المنهجيّة في بحثنا أن توجّهنا فرضيّاته إلى مراجعة ما يقابل «حالة» الوعي، ونعني «غياب الحالة»؛ إذ هما نقيضان لا يجتمعان، وتصوّر أحدهما فيه الدلالة على غياب الآخر، وتحقّق مؤشّر واحد في حالة الوعي يعني بالضرورة انتفاء ما يقابله في حال غياب الوعي؟ فهل غياب حالة الوعي في مبنى الفكرومجال التطبيق بين المسلمين هو المسئول في تاريخ المسلمين عن نهوض الخوارج والرافضة والقرامطة، وراغِبي النّفوذ، ومُدّعي الزّهد وناشري الأباطيل وسارقي الأحلام، ومن والاهم ومن خرج من تحت عباءة الطمع والشهوة والسّلطة يدّعي التديّن زوراً ويعيث في الأرض وفي الخَلقِ فساداً؟، هل هو المسئول عن تواري العلم والعلماء وسيادة الرويبضة وتزايد فضائيات تفسير الأحلام وقراءة الفنجان، وانتشار الفتاوى المضلّلة – بفتح اللام المشددة وكسرها – والتي تُباع بالقطعة؟، هل هو المسئول عن امتداد أيادي غير الأسوياء وأصحاب العاهات النفسية والعلل العقلية والآفات الخلقية ممن أطلقوا على أنفسهم أسماء لأحزاب وتنظيمات وجماعات وفرق، ليس لهم منها معنى صحيحا واحداً من مثل: «الإخوان المسلمون» و«القاعدة» و«طالبان» و«الجهاد» و«الجماعة الإسلامية» و«النور» و«العدالة» و«التحرير» و«الإصلاح» و«التنمية» و«أنصار محمد» و«أنصار بيت المقدس» و«حزب الله» و«النصرة» وما تدل عليه حروف «داعش»، و«أنصار الشريعة» و«أنصار السنة» و«جند الخلافة»، حتى صرنا لا ندري من فيهم تابعٌ لمن، من الأصل ومن الفرع، من يبايــع من، ومن يوالي من؟ وهل يشكل فارقاً نوعياً أن يتم تمكين «غياب الحالة» لباعثٍ سني أو شيعي أو تحت توجهٍ أصوليٍ أو حداثي؟ هل غياب الحالة هو ما أدّى إلى أن تنقصم حياتنا ما بين قول وفعل يناقضه، ونتدثّر بقشور لا وزن لها في صحيح الدين، وشكليّات لا تعكس نوايا أصحابها؟ هل هو سببٌ لانزواء أصحاب الفهم، وتمدّد طبقة العامّة حتى يقول أحدهم «أرحنا من الصّلاة يا بلال» ولا يراجعه أحد، ويزاحم آخر ويلكز بِكوعِه أجساد من حوله ليؤدي طوافه بالكعبة، ويفتح آخر كفه يتلقّى الرشوة ثم يقبلها وهو يتمتم «الحمد لله»، ويُصر الأكاديمي الذي يتشدّق ليل نهار لطلابه بالموضوعية والحيادية والنزاهة على سماع القرآن في مكتبه الجامعي ساعات طوال وهو ينقل عن زملائه تقارير كاذبة وملفقة. هل غياب الحالة هو ما أدى إلى أن طغى الفاسدون، وسادوا وكفّروا وأمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف، وجزّوا الرؤوس وأقاموا أسواق النخاسة، وأفتوا دون سند شرعي إلا من ضمائر خَرِبَةٍ؛ فتوالت مشكلاتٌ لا حصر لها، ونبت في كل شبر من أرض الأمة أزمةٌ ليس لها فينا أيّة بادرة أو قوة لمجابهتها؟ هل مسئولٌ هذا الغياب عن اتساع الهوّة بين الإسلام وعِداد المسلمين بعد أن ظلّا وجهين متلازمين متكاملين يعبّران عن شريعة ربّانية واحدة، فلم يبق سائغاً من الدين بين المسلمين إلا قضايا: إرضاع الكبير، جهاد النكاح، جماع الوداع، زواج القاصرات، وما شاكلها من مغيّبات العقل؟ وهل هو ما أدّى إلى براعتنا في صناعة التبرير وامتهان التلفيق ونسج القناعات الزائفة المعلّقة في الهواء، فلا هي تستند إلى شرع صريح ولا إلى منطق صحيح؟ هل هو الذي جعل واقعنا المهترئ يفضحنا، وتدل أفعالنا علينا، وتتبرأ منا أخلاقنا وينزوي فعلنا بسببٍ من ضآلة محصولنا العلمي والخلقي بين الأمم ؟، وهل هو ما أدى الى كثرة السفهاء والسطحيين، من اختزلوا رقي الإسلام وعزه وقدسية وحيه في مسبحة وجلباب قصير وأوراد لا يدري من يتعاطاها ما دلالتها، وعقله مشغول بمرضه وعجزه ونقائصه فترى المصلي لا يشغله خشوع الصلاة وأثرها وتدبر الآيات، وإنما يشغله أن تلمس أصابع قدمه أصابع جاره في الصف ويظل مُصرّاً على فعل ذلك طوال صلاته معتقدا أن في هذا وحده تمام الصلاة؟ هل هو الذي أذهب منّا الوازع الذي يردع، وأزهق الضمير الذي يؤنّب ويدفع عن الفحش والبذاءات؟، وهل هو ما أدى إلى أن يستمرئ العاصي فعل المعصية، وأن يُرَى الملتزمُ نموذجاً للتخلّف، والصادقُ ساذجاً، والمتقنُ لعمله شخصاً أبْلَه؟ هذه المواجهة بين حالة الوعي، وحال غيابها يوصل الدراسة إلى افتراضات، في بحثها إرشاد لمسارات البحث، إذ: يشير حضور الحالة وبحسم إلى المسافة التي تكون بين أصحاب حالة الوعي واللغة التي تحمل نتاجهم الحضاري، ويتحدّد حضورها بضيق المسافة وانحسارها. ويتحدّد الوعي بالقدرة على إدراك وجهته الصحيحة واستبصارها، وكأنها تمثّل الضمير الجمعي في الأمّة التي لا تجتمع على ضلالة حتى في أصعب ما يمرّ بها من دورات انحدار وظلمة. وتستند حالة الوعي إلى وجود ثنائية في قضية الدراسة، هما: - الإنسان الواعي (المسلمون) - وموضوع الوعي (الإسلام) وليس واحد منهما جزءاً من الحالة، وإنّما الحالة هي التي تنشأ حين يلتقيان، بعيداً عن أي تأطير أو تنظير ابستمولوجي، أو أيديولوجي، أو حتّى سيكولوجي. ويتحدّد الركن الأوّل في بناء حالة الوعي في التوقّف «إراديّاً» وربّما الارتداد إلى الوراء «تاريخيّا»، يلتمس طرفها الأول (الإنسان الواعي) القوّة الدافعة التي يقدر معها على تجاوز الفاصل بين غياب الحالة واستحضارها في منهجية العلم، وتطبيقاته، وتقدير العمل، وفيوض الإنتاج، وعلوّ القدر، والثقة بالنفس، ما يطرح فرضيّة مهمّة إزاء قراءة تاريخ وجغرافيّة الأمة وهي: - هل تمثّل تلك القراءة مطلباً حتميّاً من جهتي الشرع والعقل؟، وهل تعبّر عن حاجة ملحّة نفسيّاً ووجدانيّاً؟، وهل تشكّل أساساً أوليّاً في بناء حالة الوعي؟ أهميّة الدراسة: تنحصر أهميّة دراستنا في جملةٍ من الأسباب، هي محدّدات، وهي ما جعلت قضيّة «بناء الوعي» محلّاً للدراسة والتحرّي العلمي، وهي مَعْنيّةٌ في الوقت نفسه ببيان الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها بحثيّاً، وعلى رأسها يأتي الكشف عن حقيقة وأثر العلاقات البنائية بين حالة الوعي، والفرضيات (الأسئلة) التي تطرحها الدراسة، ويمكن ترتيب هذه المحددات على النحو التالي: المحدّد الأول: صعوبة الاستدلال باللغة: ويتمثّل في ضعف القدرة على ضبط مفهوم «الوعي» والتعقيد الحاصل في دلالته الاشتقاقية بين علماء اللغة، يقول صاحب لسان العرب إنه «حفظ القلب الشيء» فيُقال: وعي الشيء أي حفظه وفهمه وقبله، أي عقله إيماناً به وعملاً. هكذا تتأرجح دلالة اللغة في الربط بين الوعي والقلب (إيماناً به)، وبينه وبين العقل (حَفِظَهُ وفهمهُ)، وبينه وبين الإرادة النفسية (قَبِلَهُ)، وبينه وبين الجوارح (عملاً)، ويُقصره الفراهيدي على الحفظ ، ويمدُّه المعجم الوسيط إلى التقدير والفهم وسلامة الإدراك وشعور الكائن بما في نفسه وما يحيط به ، ولعلّ ما أدّى إلى هذا الاختلاف هو قابليّة المفهوم للتمدّد والاتساع، فضلاً عن أنّه يشير إلى قوى إنسانيّة تبدو متمايزة، لكنها تعبّر مجتمعة عن الإنسان كائناً واعياً؛ كالقوى الحسيّة والنفسية والعقلية والأخلاقية والحركية والوجدانية، ما يدفع الدراسة إلى التوكيد على أنّ ما وُصف به الإنسان عبر تاريخ الفكر من أنه كائن اجتماعي، أو سياسي، أو أخلاقي، أو ناطق، لا يفي بتحديد صفته الفصل والجوهرية، إذ يجب أن يحلّ محلّها أو أقله يأتي في مقدّمتها جميعاً أنه «كائن واع»، لذا فالنظر لمفهوم الوعي من منظور واحد من هذه القوى يُفقدنا كثيراً من أبعاد دلالاته في اللغة. المحدّد الثاني: تشابك الدلالات الاصطلاحية. لم تقتصر الصعوبة على الدلالات الاشتقاقيّة لمفهوم «الوعي»؛ بل تحوّلت الصعوبة إلى نوع من التعقيد والتشابك في دلالاته الاصطلاحيّة في العلم، وفي استعمالات الناس له. ينظر النفسيون للوعي على أنه لا يكون إلا بالانتباه والإدراك الحسي؛ فهما أساس العمليات العقليّة ، ويُعدّ فلسفيّاً «إدراك المرء لذاته وأحواله وأفعاله إدراكاً مباشراً واعتُبر أنه معطى قائم بكل نفس ومرتد منها، وهو الحاوي لكل ما تضمر من قوى شعوريّة وإحساسات داخليّة وأخلاقيّة وما يبرز منها في كلّ سلوك ، وأنّ مقامه العقل الذي هو «أعمّ وأعمق من مجرّد الإدراك» ، فلم تبعد دلالات الاصطلاح عن دلالات اللغة، حين يلتقيان في اعتبار الوعي الإنساني (على إطلاقه) قدرة إنسانية هائلة تختزن طاقات عقلية ونفسية وجسدية تكفي لاستبصار موضوع وعيها ثم اختيار الفعل الذي يجعل الوعي سبيلاً إلى التغيير المعرفي والوجداني والعملي، غير أنّ الملاحظ أنّ اللغة والاصطلاح لم يضعا حدوداً فاصلة لتعيين «الحالة» التي تعبّر عن الوعي، كما أنهما لم يفصلا بين «الإنسان الواعي» و «موضوع الوعي» وربّما نجح دليل اكسفورد الفلسفي في أن يعترف بأنّ «الوعي موجود لكنه يتحدى التعريف» درجة نجاح نظيره اللغوي في الإشارة إلى «الحالة» التي يكون فيها الوعي حاضراً وهو يستخدم لفظ «The state» ويشرط حدوثها بزمن معيّن، واستخدم للدلالة عليه مصطلح «Consciousness» ومصطلح «Awareness» لكنه يعتبر الحالة كائناً عضويّا ، وعلى تحفظنا على هذا الاعتبار العضوي لإغراقه في المادية التي عمّت مظاهر الفكر الغربي منذ عصر النهضة، إلا أنه أراد لهذه الحالة استقلالها عن الذات الواعية وعن موضوع الوعي معاً، كما أراد أن يضفي عليها اعتبارية تجعلها أمراً ممكناً يناله من يأخذ بأسبابه. لأنّ واقع الاستعمال للفظ «الوعي» بين العلماء من ذوي التخصصات المختلفة في العلم من الأقدمين والمحدثين يشير إلى شيوع ألفاظ عديدة للدلالة على الوعي، لكنهم لم يحددوا؛ فكانت ألفاظهم إما تدل على حال بعينها من الوعي، أو على شخص واع، أو على موضوع للوعي، فاضطربت في استعمالاتهم لهذه الألفاظ محاولاتهم في الدلالة على الوعي ك «حالة» تسعى دراستنا إلى بحثها وتقصيها، فقد قيل إن الوعي «إدراك ذاتي» أو «الذي يحكم الشعور» أو «جملة المعارف الإنسانية» ، واشترط البعض أن «يصاحبه الشعور به والالتفات إليه» ، وقرنه البعض بالتفكير العقلي والنشاط الروحي ، وقيل إنه «محصّلة عمليات ذهنية وشعورية معقدة، لا ينفرد التفكير وحده بتشكيله فهناك الحدس والخيال والأحاسيس والمشاعر والإرادة والضمير والمبادئ والقيم ومرتكزات الفطرة وحوادث الحياة والنظم والاجتماعية والظروف».


الكاتب: دكتور حسين صبري
0المفضلة
141 المشاهدات
0 تعليقات