• الغضب المعرفي

    كنت أتحدث مع صديق في مكالمة طويلة، وأخذ الحديث يتجه ناحية الأمور الضاغطة، التي ما أن يميل الحديث إليها حتى تبدأ معي الحالة العصابية، شعرت في وسط المكالمة أن الصديق العزيز يحاول تهدئتي، ويصر على أن الأمر فيه سعة، ولا حاجة معه إلى هذا الحد من التوتر، وحين أحببت أن أوضح له وجدتني أخبره بأن الغضب الذي يعتريني غضب معرفي ليس إلا، وسألني بشكل مباشر: "ماذا تقصد بالغضب المعرفي؟" فتوقفت عن الحديث فجأة، وبدأت أسترجع الفكرة في رأسي، ولم أجد أن لهذا المصطلح الذي قذفته وسط الحديث أي أصل أعرفه، لكنه بدا لي غاية في المنطقية، ويمثل حالتي تمام التمثيل! بعد انتهاء المكالمة بدأت أفكر في كنه هذا النوع من الغضب، وراجعت علاقتي بمن خسرتهم في السنوات الماضية لنفس السبب، بعضهم كان يتهمني بالحدة، وآخرون اتخذوا موقفاً عدائياً مني بسبب شعورهم أن لدي صبغة سوداوية في نظرتي لبعض الأمور، أحدهم انقطعت علاقتي به بعد سنوات طويلة من الصداقة والمحبة، ورغم أن موقفي كان واضحاً بيني وبين نفسي، إلا أنني لم أكن أعرف النقطة الجوهرية التي تمثل سبب الخلاف، وفي هذه المكالمة قذفتها في أذن صديقي، وكأنها طوق نجاة على هيئة فكرة ساهية، أو هكذا ظننت. طوال حياتي لا أذكر أنني تورطت في شخصنة الأفكار، أو التقليل من الآخرين أثناء الحديث حول موضوع معين، وأعتقد أن عدم القدرة على التفريق بين الغضب النفسي والغضب المعرفي، هي السبب الأبرز في سوء الفهم، ولا أعرف إذا ما كنت أستطيع شرح الأمر لكنني سأحاول. أعتقد أن هناك فرق كبير بين اختلافك مع أحد بسبب حدث راهن ولحظي، وبين رؤيتك بأن لهذا الحدث بعداً معرفياً له أثره، ولديك ربما القدرة على تحليله بسرعة واستنتاج ذلك الأثر، ليس من جهة المنطق الرائي، أو استشراف المستقبل، الأمر أحياناً يكون أقل تعقيداً وأكثر واقعية، إما بسبب تجربة حياتية، أو نتيجة قراءات معمقة، وهذا ما أعتمد عليه شخصياً، لذلك يتداخل الجانب المعرفي مع الغضب بسبب وضوح الرؤية وبداهتها أحياناً. وفي ظل البحث عن الحقيقة، خاصة مع غياب المعلومات الواضحة والصريحة، ومحاولة البعض الدائمة على التضليل والمراوغة، ينشأ هذا النوع من الاختلاف الذي يصل أحياناً إلى الاستنقاص من العقول، فيظهر في مثل هذه المواقف نوع من الغضب، ليس له علاقة بالحالة النفسية بقدر علاقته بالجانب المعرفي للموضوع محل النقاش، وهذا يحصل في كل الحوارات السياسية و الاجتماعية وحتى الحوارات التي لها علاقة بالأمور الفنية في الأعمال الأدبية. وأعتقد أن أهمية الأمر وقيمته له علاقة قوية بإمكانية التراجع عنه، بحكم أنه خلاف معرفي، من طبيعته التغير والتبدل الدائم، بحسب توافر المعلومات وتراكم المعرفة، والمريح بالنسبة لي في هذا الغضب المعرفي أنه اختبار ذاتي بالدرجة الأولى، وأنه الآن يحمل مصطلحاً أشعر بالارتياح له، فمن خسرتهم لسبب معرفي يمكن استرجاعهم -على الأقل بيني وبين نفسي- عند زوال هذا السبب.

    الكاتب: عبدالله العقيبي

    0المفضلة

    75 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من عبدالله العقيبي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الغضب المعرفي

    المزيد من عبدالله العقيبي

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة